آيات القرآن الكريم - إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون

ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ

البقرة: 2

بداية السورة   «  »  آخر السورة  آية عشوائية  Bookmark

اسم السورة: 2 البقرة
رقم الآية.: 2
معلوماتعدد الآيات: 286 ترتيب المصحف: 2 ترتيب النزول: 87 نزلت بعد سورة: المطففين مكية أم مدنية: مدنية ( أول سورة نزلت بالمدينة - الآية 218 نزلت بمنى )
رقم الصفحة.2
عدد الآيات في السورة:286

تفسير القرطبي


قوله تعالى : "ذلك الكتاب" قيل : المعنى هذا الكتاب . و ذلك قد تستعمل في الإشارة الى حاضر ، وإن كان موضوعاً فلإشارة الى غائب ، كما قال تعالى في الإخبار عن نفسه جل وعز : "ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم" ، ومنه قول خفاف بن ندبة : أقول له والرمح يأطر متنه تأمل خفافا إنني أنا ذلكا أي أنا هذا . فـ ـذلك إشارة الى القرآن ، موضوع موضع هذا ، تلخيصه : آلم هذا الكتاب لا ريب فيه . وهذا قول أبي عبيدة و عكرمة وغيرهما ، ومنه قوله تعالى : "وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم" "تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق" أي هذه ، لكنها لما انقضت صارت كأنها بعدت فقيل تلك . وفي البخاري وقال معمر ذلك الكتاب هذا القرآن . "هدى للمتقين" بيان ودلالة ، كقوله : "ذلكم حكم الله يحكم بينكم" هذا حكم الله . قلت :وقد جاء هذا بمعنى ذلك ، ومنه قوله عليه السلام في حديث أم حرام : "يركبون ثبج هذا البحر" أي ذلك البحر ، والله أعلم . وقيل : هو على بابه إشارة الى غائب . واختلف في ذلك الغائب على أقوال عشرة ، فقيل ذلك الكتاب أي الكتاب الذي كتبت على الخلائق بالسعادة والشقاوة والأجل والرزق لا ريب فيه ، أي لا مبدل له . وقيل : ذلك الكتاب ، أي الذي كتبت على نفسي في الأزل : " إن رحمتي سبقت غضبي " . وفي صحيح مسلم عن ابي هريرة قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لما قضى الله الخلق كتب في كتابه على نفسه فهو موضوع عنده أن رحمتي تغلب غضبي" في رواية سبقت . وقيل : إن الله تعالى قد كان وعد نبيه عليه السلام أن ينزل عليه كتاباً لا يمحوه الماء ، فأشار الى ذلك الوعد كما في صحيح مسلم من حديث عياض بين حمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "أن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب وقال إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء تقرؤه نائماً ويقظان" الحديث . وقيل : الإشارة الى ما قد نزل من القرآن بمكة . وقيل : ان الله تبارك وتعالى لما أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم بمكة : "إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا" لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مستشرفاً لإنجاز هذا الوعد من ربه عز وجل ، فلما أنزل عليه بالمدينة ، "الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه" كان فيه معنى هذا القرآن الذي أنزلته عليك بالمدينة والإنجيل : و آلم اسم للقرآن ، والتقدير هذا القرآن ذلك الكتاب المفسر في التوراة والإنجيل ، يعني ان التوارة والإنجيل يشهدان بصحته ويستغرق ما فيهما ويزيد عليهما ما ليس فيهما . وقيل : إن ذلك الكتاب إشارة الى التوارة والإنجيل كليهما ، والمعنى : آلم ذانك الكتابان أو مثل ذينك الكتابين ، أي هذا القرآن جامع لما في ذينك الكتابين ، فعبر بـ ذلك عن الاثنين بشاهد من القرآن ، قال الله تبارك وتعالى ، "إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك" أي عوان بين تينك . الفارض والبكر ، وسيأتي . وقيل : إن ذلك إشارة إلى اللوح المحفوظ . وقال الكسائي : ذلك إشارة الى القرآن الذي في السماء لم ينزل بعد . وقيل : إن الله تعالى قد كان وعد أهل الكتاب أن ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم كتاباً ، فالإشارة الى ذلك الوعد . قال المبرد : المعنى هذا القرآن ذلك الكتاب الذي كنتم تستفتحون به على الذين كفروا . وقيل : الى حروف المعجم في قول من قال : آلم الحروف التي تحديثكم بالنظم منها . والكتاب مصدر م نكتب يكتب إذا جمع ، ومنه قبل : كتيبة ، لاجتماعها . وتكتب الخيل صارت كتائب . وكتبت البغلة : إذا جمعت بين شفري رحمها بحلقة أو سر ، قال : لا تأمنن فزاريا حللت به على قلوصك واكتبها بأسيار والكتبة ( بضم الكاف ) : الخرزة ، والجمع كتب . والكتب : الخرز . قال ذو الرمة : وفراء غرفية أثأى خوارزها مشلشل ضيعته بينها الكتب والكتاب : هو خط الكاتب حروف المعجم مجموعة أو متفرقة ، وسمي كتاباً وإن كان مكتوباً ، ما قال الشاعر : تؤمل رجعة مني وفيها كتاب مثل ما لصق الغراء والكتاب الفرض والحكم والقدر ، قال الجعدي : يابنة عمي كتاب الله أخرجني عنكم وهل أمنعن الله ما فعلا قوله تعالى : "لا ريب" نفي عام ، ولذلك نصب الريب به . وفي الريب ثلاثة معان : أحدها : الشك ، قال عبد الله بن الزبعرى : ليس في الحق يا أميمة ريب إنما الريب ما يقول الجهول وثانيها : التهمة ، قال جميل : بثينة قالت يا جميل أربتني فقلت كلانا يا بثين مريب وثالثها : الحاجة ، قال : قضينا من تهامة كل ريب وخيبر ثم أجمعنا السيوفا فكتاب الله تعالى لا شك فيه ولا ارتياب ، والمعنى : أنه في ذاته حق وأنه منزل من عند الله ، وصفة من صفاته ، غير مخلوق ولا محدث ، وإن وقع ريب للكفار . وقيل : هو خبر ومعناه النهي ، أي لا ترتابوا ، وتم الكلام كأنه قال ذلك حقاً . وتقول : رابني هذا الأمر إذا أدخل عليك شكاً وخوفاً . وأراب : صار ذا ريبة ، فهو مريب . ورابني أمره . وريب الدهر : صروفه . قوله تعالى : "فيه هدى للمتقين" فيه ست مسائل : الأولى : قوله تعالى : "فيه" الهاء في فيه في موضع خفض بفي ، وفيه خمسة أوجه ، أجودها : فيه هدى . ويليه فيه هدى (بضم الهاء بغير واو) وهي قراءة الزهري وسلام أبي المنذر . ويليه فيهي هدى (بإثبات الياء) وهي قراءة ابن كثير . ويجوز فيهو هدى (بالواو) . ويجوز فيه هدى (مدغماً) وارتفع هدى على الابتداء والخبر فيه . والهدى في كلام العرب معناه الرشد والبيان ، أي فيه كشف لأهل المعرفة ورشد وزيادة بيان وهدى . الثانية الهدى هديان : هدى دلالة ، وهو الذي تقدر عليه الرسل وأتباعهم ، قال الله تعالى : "ولكل قوم هاد" . وقال : "وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم" فأثبت لهم الهدى الذي معناه الدلالة والدعوة والتنبيه ، وتفرد هو سبحانه بالهدى الذي معناه التأييد والتوفيق ، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم : "إنك لا تهدي من أحببت" فالهدى على هذا يجيء بمعنى خلق الإيمان في القلب ، ومنه قوله تعالى : "أولئك على هدى من ربهم" وقوله : "ويهدي من يشاء" . والهدى : الاهتداء ، ومعناه راجع الى معنى الإرشاد كيفما تصرفت . قال أبو المعالي : وقد ترد الهداية والمراد بها إرشاد المؤمنين الى مسالك الجنان والطرق المفضية إليها ، من ذلك قوله تعالى في صفة المجاهدين : "فلن يضل أعمالهم * سيهديهم" ومنه قوله تعالى : "فاهدوهم إلى صراط الجحيم" معناه فاسلكوهم إليها . الثالثة الهدى لفظ مؤنث . قال الفراء : بعض بني أسد تؤنث الهدى فتقول : هذه هدى حسنة . وقال اللحياني : هو مذكر ، ولم يعرب لأنه مقصور والألف لا تتحرك ، ويتعدى بحرف وبغير حرف وقد مضى في الفاتحة ، تقول : هديته الطريق وإلى الطريق ، والدار وإلى الدار ، أي عرفته . الأولى لغة أهل الحجاز ، والثانية حكاها الأخفش . وفي التنزيل : "اهدنا الصراط المستقيم" و "الحمد لله الذي هدانا لهذا" . وقيل : إن الهدى اسم من أسماء النهار ، لأن الناس يهتدون فيه لمعايشهم وجميع مآربهم ، ومنه قول ابن مقبل : حتى استبنت الهدى والبيد هاجمة يخشعن في الال غلفا أو يصلينا الرابعة : قوله تعالى : "للمتقين" خص الله تعالى المتقين وإن كان هدى للخلق أجمعين تشريفاً لهم ، لأنهم آمنوا وصدقوا بما فيه . وروي عن أبي روق أنه قال : "هدى للمتقين" أي كرامة لهم ، يعني إنما أضاف إليهم إجلالا لهم وكرامة لهم وبياناً لفضلهم . وأصل للمتقين : للموتقيين بياءين مخففتين ، حذفت الكسرة من الياء الأولى لثقلها ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين وأبدلت الواو تاء على أصلهم في اجتماع الواو والتاء وأدغمت التاء في التاء فصار للمتقين . الخامسة : التقوى يقال أصلها في اللغة قلة الكلام ، حكاه ابن فارس . قلت : ومنه الحديث : التقي ملجم والمتقي فوق المؤمن والطائع وهو الذي يتقي بصالح عمله وخالص دعائه عذاب الله تعالى ، مأخوذ من اتقاء المكروه بما تجعله حاجزاً بينك وبينه ، كما قال النابغة : سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد وقال آخر : فألقت قناعاً دونه الشمس واتقت بأحسن موصولين كف ومعصم وخرج أبو محمد عبد الغني الحافظ من حديث سعيد بن زربي أبي عبيدة عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن ابن مسعود قال قال يوماً لابن أخيه : يابن أخي ترى الناس ما أكثرهم ؟ قال :نعم ، قال : لا خير فيهم إلا تائب أو تقي . ثم قال : يابن أخي ترى الناس ما أكثرهم ؟ قلت : بلى ، قال : لا خير فيهم إلا عالم أو متعلم . وقال أبو يزيد البسطامي : المتقي من إذا قال قال الله ، ومن إذا عمل عمل لله . وقال أبو سليمان الداراني : المتقون الذي نزع الله عن قلوبهم حب الشهوات . وقيل : المتقي الذي أتقى الشرك وبرىء من النفاق . قال ابن عطية : وهذا فاسد ، لأنه قد يكون كذلك وهو فاسق . وسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبيا عن التقوى ، فقال : هل أخذت طريقاً ذا شوك ؟ قال : نعم ، قال : فما عملت فيه ؟ قال : تشمرت وحذرت ، قال : فذاك التقوى . وأخذ هذا المعنى ابن المعتز فنظمه : خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى وأصنع كماش فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى السادسة : التقوى فيها جماع الخير كله ، وهي وصية الله في الأولين والآخرين ، وهي خير ما يستفيده الإنسان ، كما قال أبو الدرداء وقد قيل له : إن أصحابك يقولون الشعر وأنت ما حفظ عنك شيء ، فقال : يريد المرء أن يؤتى مناه ويأبى الله إلا ما أرادا يقول المرء فائدتي ومالي وتقوى الله أفضل ما استفادا وروى ابن ماجة في سننه عن ابي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول :"ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيراً له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته وإن نظر إليها سرته وإن أقسم عليها أبرته وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله" . والأصل في التقوى : وقوى على وزن فعلى فقلبت الواو تاء من وقيته أقية أي منعته ، ورجل تقي أي خائف ، أصله وقى ، وكذلك تقاة كانت في الأصل وقاة ، كما قالوا : تجاه وتراث ، والأصل وجاه ووارث .

تفسير الجلالين


2 - (ذلك) أي هذا (الكتاب) الذي يقرؤه محمد (لا ريب) لا شك (فيه) أنه من عند الله ، وجملة النفي خبر مبتدؤه ذلك والإشارة به للتعظيم (هدى) خبر ثان أي هاد (للمتقين) الصائرين إلى التقوى بامتثال الأوامر واجتناب النواهي لاتقائهم بذلك النار

أسباب النزول


لا يوجد أسباب النزول

تفسير ابن كثير


قال ابن جريج قال ابن عباس ذلك الكتاب أي هذا الكتاب وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والسدي ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم وابن جريج أن ذلك بمعنى هذا والعرب تعارض بين اسمي الإشارة فيستعملون كلا منهما مكان الآخر وهذا معروف في كلامهم وقد حكاه البخاري عن معمر بن المثنى عن أبي عبيدة وقال الزمخشري ذلك إشارة إلى "الم" كما قال تعالى "لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك" وقال تعالى "ذلكم حكم الله يحكم بينكم" وقال "ذلكم الله" وأمثال ذلك مما أسير به إلى ما تقدم ذكره والله أعلم. وقد ذهب بعض المفسرين فيما حكاه القرطبي وغيره أن ذلك إشارة إلى القرآن الذي وعد الرسول صلى الله عليه وسلم بإنزاله عليه أو التوراة أو الإنجيل أو نحو ذلك في أقوال عشرة. وقد ضعف هذا المذهب كثيرون والله أعلم. والكتاب القرآن ومن قال: إن المراد بذلك الكتاب الإشارة إلى التوراة والإنجيل كما حكاه ابن جرير وغيره فقد أبعد النجعة وأغرق في النزع وتكلف ما لا علم له به والريب الشك قال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا ريب فيه" لا شك فيه وقال أبو الدرداء وابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو مالك ونافع مولى ابن عمر وعطاء وأبو العالية والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان والسدي وقتادة وإسماعيل بن أبي خالد - وقال ابن أبي حاتم لا أعلم في هذا خلافا وقد يستعمل الريب في التهمة قال جميل: بثينة قالت يا جميل أربتني فقلت كلانا يا بثين مريب واستعمل أيضا في الحاجة كما قال بعضهم: قضينا من تهامة كل ريب وخيبر ثم أجمعنا السيوفا ومعنى الكلام هنا أن هذا الكتاب هو القرآن لا شك فيه أنه نزل من عند الله كما قال تعالى في السجدة "الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين" وقال بعضهم هذا خبر ومعناه النهي أي لا ترتابوا فيه. ومن القراء من يقف على قوله تعالى "لا ريب" ويبتدئ بقوله تعالى "فيه هدى للمتقين" والوقف على قوله تعالى "لا ريب فيه" أولى للآية التي ذكرناها ولأنه يصير قوله تعالى "هدى" صفة للقرآن وذلك أبلغ من كون فيه هدى. وهدى يحتمل من حيث العربية أن يكون مرفوعا على النعت ومنصوبا على الحال وخصت الهداية للمتقين كما قال "قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد" "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا" إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اختصاص المؤمنين بالنفع بالقرآن لأنه هو في نفسه هدى ولكن لا يناله إلا الأبرار كما قال تعالى "يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين" وقد قال السدى عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم "هدى للمتقين" يعني نورا للمتقين وقال أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس قال هدى للمتقين قال هم المؤمنون الذين يتقون الشرك بي ويعملون بطاعتي وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس "للمتقين" قال الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى ويرجون رحمته في التصديق بما جاء به وقال سفيان الثوري عن رجل عن الحسن البصري قوله تعالى للمتقين قال: اتقوا ما حرم الله عليهم وأدوا ما افترض عليهم وقال أبو بكر بن عياش سألنى الأعمش عن المتقين قال فأجبته فقال لي سل عنها الكلبي فسألته فقال الذين يجتنبون كبائر الإثم قال فرجعت إلى الأعمش فقال يرى أنه كذلك ولم ينكره. وقال قتادة للمتقين هم الذين نعتهم الله بقوله "الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة" الآية والتي بعدها واختيار ابن جرير أن الآية تعم ذلك كله وهو كما قال. وقد روى الترمذي وابن ماجه من رواية أبي عقيل عبدالله بن عقيل عن عبدالله بن يزيد عن ربيعة بن يزيد وعطية بن قيس عن عطية السعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس" ثم قال الترمذي حسن غريب وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا عبدالله بن عمران عن إسحاق بن سليمان يعني الرازي عن المغيرة بن مسلم عن ميمون أبي حمزة قال: كنت جالسا عند أبي وائل فدخل علينا رجل يقال له أبو عفيف من أصحاب معاذ فقال له شقيق بن سلمة يا أبا عفيف ألا تحدثنا عن معاذ بن جبل قال بلى سمعته يقول يحبس الناس يوم القيامة في بقيع واحد فينادي مناد أين المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر. قلت من المتقون قال قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا لله العبادة فيمرون إلى الجنة. ويطلق الهدى ومراد به ما يقر في القلب من الإيمان وهذا لا يقدر على خلقه في قلوب العباد إلا الله عز وجل قال الله تعالى "إنك لا تهدي من أحببت" وقال "ليس عليك هداهم" وقال "من يضلل الله فلا هادي له" وقال "من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا" إلى غير ذلك من الآيات ويطلق ويراد به بيان الحق وتوضيحه والدلالة عليه والإرشاد إليه. قال الله تعالى "وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم" وقال "إنما أنت منذر ولكل قوم هاد" وقال تعالى "وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى" وقال "وهديناه النجدين" على تفسير من قال المراد بهما الخير والشر وهو الأرجح والله أعلم وأصل التقوى التوقي مما يكره لأن أصلها وقوى من الوقاية قال النابغة: سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد وقال الآخر: فألقت قناعا دونه الشمس واتقت بأحسن موصولين كف ومعصم وقد قيل إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل أبي بن كعب عن التقوى فقال له أما سلكت طريقا ذا شوك؟ قال بلى قال فما عملت قال شمرت واجتهدت قال فذلك التقوى. وقد أخذ هذا المعنى ابن المعتز فقال: خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقــى واصنع كماش فوق أر الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيـــرة إن الجبال من الحصـى وأنشد أبو الدرداء يوما: يريد المرء أن يؤتى منـاه ويأبى الله إلا مـــا أرادا يقول المرء فائدتي ومالي وتقوى الله أفضل ما استفادا وفي سنن ابن ماجه عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما استفاد المرء بعد تقوى الله خيرا من زوجة صالحة إن نظر إليها سرته وإن أمرها أطاعته وإن أقسم عليها أبرته وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله".