آيات القرآن الكريم - إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

المائدة: 90

بداية السورة   «  »  آخر السورة  آية عشوائية  Bookmark

اسم السورة: 5 المائدة
رقم الآية.: 90
معلوماتعدد الآيات: 120 ترتيب المصحف: 5 ترتيب النزول: 112 نزلت بعد سورة: الفتح مكية أم مدنية: مدنية ( الآية 3 نزلت بعرفات في حجة الوداع ) .
رقم الصفحة.123
عدد الآيات في السورة:120

تفسير القرطبي


فيه سبع عشر مسألة: الأولى -قوله تعالى :" يا أيها الذين آمنوا " خطاب لجميع المؤمنين بترك هذه الأشياء إذ كانت شهوات وعادات تلبسوا بها في الجاهلية وغلبت على النفوس فكان نفي منها في نفوس كثير من المؤمنين، قال ابن عطية: ومن هذا القبيل هوى الزجر بالطير، وأخذا الفأل في الكتب ونحوه مما يصنعه الناس اليوم، وأما الخمر فكانت لم تحرم بعد، وإنما نزل تحريمها في سنة ثلاث بعد وقعة أحد وكنت وقعة أحد في شوال سنة ثلاث من الهجرة وتقدم اشتقاقها وأما الميسر فقد مضى في البقرة القول فيه وأما الأنصاب فقيل: هي الأصنام. وقيل هي النرد والشطرنج ويأتي بيانهما في سورة يونس عند قوله تعالى :" فماذا بعد الحق إلا الضلال " [ يونس : 32] وأما الأزلام فهي القداح وقد مضى في أول السورة القول فيها ويقال: كانت في البيت عند سدنة البيت وخدام الأصنام يأتي الرجل إذا أراد حاجة فيقبض منها شيئاً فإن كان عليه أمرني ربي خرج إلى حاجته على ما أحب أو كره . الثانية -تحريم الخمر كان بتدريج ونوازل كثيرة فإنهم كانوا مولعين بشربها وأول ما نزل في شأنها " يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس " [البقرة: 219] أي في تجارتهم، فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس وقالوا: لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير، ولم يتركها بعض الناس وقالوا: نأخذ منفعتها ونترك إثمها فنزلت هذه الآية " لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " [ النساء: 42] فتركها بعض الناس وقالوا: لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصلاة وشربها بعض الناس في غير أوقات الصلاة حتى نزلت " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس " الآية فصارت حراماً بسبب عمر بن الخطاب فإنه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم عيوب الخمر، وما ينزل بالناس من أجلها ودعا الله في تحريمها وقال، اللهم بين لنا في الخمر بينا شافياً فنزلت هذه الآيات فقال عمر: انتهينا انتهينا وقد مضى في البقرة و النساء وروى أبو داود عن ابن عباس قال: " يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " و" يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس " نسختها التي في المائدة " إنما الخمر والميسر والأنصاب" وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص أنه قال : نزلت في آيات من القرآن وفيه قال: وأتيت على نفر من الأنصار فقالوا: تعال نطعمك وسقيك خمراً وذلك قبل أن تحرم الخمر قال: فأتيتهم في حش - والحش البستان- فإذا رأس جزور مشوي عندهم وزق من خمر: قال : فأكلت وشربت معهم قال:فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم فقلت: المهاجرون خير من الأنصار: قال: فأخذ رجل لحيى جمل فضربني به فجرح أنفى وفي رواية ففزره وكان أنف سعد مفزوراً فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فأنز الله تعالى في - يعني نفسه شأن الخمر "إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ". الثالثة- هذه الأحاديث تدل على أن شرب الخمر كان إذ ذاك مباحاً معمولاً به معروفاً عندهم بحيث لا ينكر ولا يغير، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر عليه ، وهذا ما لا خلاف فيه، يدل عليه آية النساء " لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " على ما تقدم وهل كان يباح لهم شرب القدر الذي يسكر؟ حديث حمزة ظاهر فيه حين بقر خواصر ناقتي على رضي الله عنهما وجب أسنمتهما فأخبر علي بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فجاء إلى حمزة للنبي صلى الله عليه وسلم من القول الجافي المخالف لما يجب عليه من احترام النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره وتعزيره ما يدل على أن حمزة كان قد ذهب عنه بما يسكر ولذلك قال الراوي: فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ثمل ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على حمزة ولا عنفه، لا في حال سكره، ولا بعد ذلك بل رجع لما قال حمزة، وهل انتم إلا عبيد لأبي على عقبيه القهقرى وخرج عنه وهذا خلاف ما قاله الأصوليون وحكوه فإنهم قالوا: إن السكر حرام في كل شريعة: لأن الشرائع مصالح العباد لا مفاسدهم، وأصل المصالح العقل، كما أن أصل المفاسد ذهابه فيجب المنع من كل ما يذهبه أو يشويه إلا أنه يحتمل حديث حمزة أنه لم يقصد بشربه السكر لكنه أسرع فيه فغلبه والله أعلم . الرابعة -قوله تعالى :" رجس " قال ابن عباس في هذه الآية رجس سخط وقد يقال للنتن والعذرة والأقذار رجس والرجز بالزاي العذاب لا غير والركس العذره لا غير والرجس يقال لأمرين، ومعنى " من عمل الشيطان " أي بحمله عليه وتزيينه وقيل هو الذي كان عمل مبادئ هذه الأمور بنفسه حتى اقتدى به فيها . الخامسة - قوله تعالى :" فاجتنبوه " يرد أن أبعدوه واجعلوه ناحية فأمر لله تعالى باجتناب هذه الأمور، واقترنت بصيغة الأمر مع نصوص الأحاديث وإجماع الأمة، فحصل الاجتناب في جهة التحريم، فبهذا حرمت الخمر ولا خلاف بين علماء المسلمين أن سورة المائدة نزلت بتحريم الخمر، وهي مدنية من آخر ما نزل، وورد التحريم في الميتة والدم ولحم الخنزير في قوله تعالى :" قل لا أجد" [ الأنعام: 145] وغيرها من الآي خبراً وفي الخمر نهيا وزجراً وهو أقوى التحريم وأوكده روى ابن عباس قال: لما نزل تحريم الخمر ، مشى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم إلى بعض وقالوا حرمت الخمر، وجعلت عدلاً للشكر يعني أنه قرنها بالذبح للأنصاب وذلك شرط ثم علق " لعلكم تفلحون " فعلق الفلاح بالأمر، وذلك يدل على تأكيد الوجوب والله أعمل. السادسة - فهم الجمهور من تحريم الخمر، واستخباث الشرع لها، وإطلاق الرجس عليها والأمر باجتنابها الحكم بنجاستها، وخالفهم في ذلك ربيعة والليث بن سعد والمزني صاحب الشافعي وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين فرأوا أنها طاهرة وأن المحرم إنما هو شربها وقد ستدل سعيد بن الحداد القروي على طهارتها بسفكها في طرق المدينة قال: ولو كانت نجسة لما فعل ذلك الصحابة رضوان الله عليهم ولنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه كما نهى عن التخلي في الطرق والجواب أن الصحابة فعلت ذلك لأنه لم يكن لهم سروب ولا آبار يريقونها فيها إذ الغالب من أحوالهم أنهم لم يكن لهم كنف في بيوتهم وقالت عائشة رضي الله عنها: إنهم كانوا يتقذرون من اتخاذ الكنف في البيوت ونقلها إلى خارج المدينة فيه كلفة ومشقة، ويلزم منه تأخير ما وجب على الفور وأيضا فإنه يمكن التحرز منها فإن طرق المدينة كانت واسعة ولم تكن الخمر من الكثرة بحيث تصير نهراً يعم الطريق كلها ، بل إنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرز عنها -هذا - مع ما يحصل في ذلك من فائدة شهرة إراقتها في طرق المدينة، ليشيع العمل على مقتضى تحريمها من إتلافها وأنه لا ينتفع بها وتتابع الناس وتوافقوا على ذلك والله أعلم. فإن قيل: التنجيس حكم شرعي ولا نص فيه ولا يلزم من كون الشيء محرماً أن يكون نجساً فكم من محرم في الشرع ليس بنجس قلنا: قوله تعالى :" رجس " يدل على نجاستها، فإن الرجس في اللسان النجاسة،ثم لو التزمنا ألا نحكم بحكم إلا حتى نجد فيه نصاً لتعطلت الشريعة ، فإن النصوص فيها قليلة فأي نص يوجد على تنجيس البول والعذرة والدم والميتة وغير ذلك؟ وإنما هي الظواهر والعمومات والأقيسة وسيأتي في سورة الحج ما يوضح هذا المعنى إن شاء الله تعالى . السابعة -قوله تعالى:" فاجتنبوه " يقتضي الاجتناب المطلق الذي لا ينتفع معه بشيء بوجه من الوجوه لا بشرب ولا بيع ولا تخليل ولا مداواة ولا غير ذلك وعلى هذا تدل على الأحاديث الواردة في الباب روى مسلم عن ابن عباس: "أن رجلاً أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم راوية خمر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هل علمت أن الله حرمها قال: لا قال: فسار رجلاً فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم بم ساررته قال أمرته ببيعها فقال: إن الذي حرم شربها حرم بيعها قال: ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها"، فهذا حديث يدل على ما ذكرناه إذ لو كان فيها منفعة من المنافع الجائزة لبينة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال في الشاة الميتة . "هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به " الحديث . الثامنة - أجمع المسلمون على تحريم بيع الخمر والدم، وفي ذلك دليل على تحريم بيع العذرات، وسائر النجاسات وما لا يحل أكله وذلك -والله أعلم - كره مالك بيع زبل الدواب، ورخص فيه ابن القاسم لما فيه من المنفعة، والقياس ما قاله مالك ، وهو مذهب الشافعي وهذا الحديث شاهد بصحة ذلك . التاسعة -ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الخمر لا يجوز تخليلها لأحد ، ولو جاز تخليلها ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع الرجل أن يفتح المزادة حتى يذهب ما فيها لأن الخل ما وقد نهى عن إضاعة المال ، ولا يقول أحد فيمن أراق خمراً على مسلم أنه تلف له مالاً وقد. أراق عثمان بن أبي العاص خمراً ليتيم ، واستؤذن صلى الله عليه وسلم في تخليلها فقال: لا ونهى عن ذلك ذهب إلى هذا طائفة من العلماء من أهل الحديث والرأي وإليه مال سحنون بن سعيد وقال آخرون: لا بأس بتخليل الخمر ولا بأس بأكل ما تخلل منها بمعاجلة آدمي أو غيرها وهو قول الثوري والأوزاعي والليث بن سعد والكوفيين وقال أبو حنيفة: إن طرح فيها المسك والملح فصارت مربى وتحولت عن حال الخمر جاز وخالفه محمد بن الحسن في المربى وقال : لا تعالج الخمر بغير تحويلها إلى الخل وحده قال أبو عمر: احتج العراقيون في تخليل الخمر بأبي الدرداء، وهو يرى عن أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء من وجه ليس بالقوي أنه كان يأكل المربى منه ويقول: دبغته الشمس والملح وخالفه عمر بن الخطاب وعثمان بن أبي العاص في تخليل الخمر وليس في رأي أحد حجة مع السنة وبالله التوفيق ، وقد يحتمل أن يكون المنع من تخليلها كان في بدء الإسلام عند نزول تحريمها لئلا يستدام حبسها لقرب العهد بشربها إرادة لقطع العادة في ذلك وإذا كان كذلك لم يكن في النهي عن تخليها حينئذ والأمر بإراقتها ما يمنع من أكلها إذا خللت وروى أشهب عن مالك قال: إذا خلل النصراني خمراً فلا بأس بأكله، وكذلك إن خللها مسلم واستغفر الله وهذه الرواية ذكرها ابن عبد الحكم في كتابه والصحيح ما قاله مالك في رواية ابن القاسم وابن وهب أنه لا يحل لمسلم أن يعالج الخمر حتى يجعلها خلاً ولا يبيعها ولكن ليهريقها . العاشرة - لم يختلف قول مالك وأصحابه أن الخمر إذا تخللت بذاتها أن أكل ذلك الخل حلال وهو قول عمر بن الخطاب وقبيصة ابن شهاب وربيعة وأحد قولي الشافعي وهو تحصيل مذهبه عند أكثر أصحابه . الحادية عشرة- ذكر ابن خويز منداد أنها تملك، ونزع إلى ذلك أنه يمكن أن يزال بها الغصص ويطفأ بها حريق وهذا نقل لا يعرف لمالك بل يخرج هذا على قول من يرى أنها طاهرة، ولو جاز ملكها لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإراقتها ، وأيضاً فإن الملك نوع نفع وقد بطل بإراقتها والحمد لله . الثانية عشرة- هذه الآية تدل على تحريم اللعب بالنرد والشطرنج قماراً أو غير قمار لأن الله تعالى لما حرم الخبر أخبر بالمعنى الذي فيها فقال: :" يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر " الآية ثم قال : " إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء " الآية فكل لهو دعا قلية إلى كثير وأوقع العداوة والبغضاء بين العاكفين عليه وصد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو كشرب الخمر وأوجب أن يكون حراماً مثله فإن قيل: إن شرب الخمر يورث السكر فلا يقدر معه في الصلاة وليس في اللعب بالنرد والشطرنج هذا المعنى قيل له: قد جمع الله تعالى بين الخمر والميسر في التحريم ووصفهما جميعاً بأنهما يوقعان العداوة والبغضاء بين الناس، ويصدان عن ذكر الله وعن الصلاة، ومعلوم أن الخمر إن أسكرت فالميسر لا يسكر ثم لم يكن عند الله افتراقهما في ذلك يمنع من التسوية بينها في التحريم لأجل ما اشتركا فيه من المعاني وأيضاً فإن قليل الخمر لا يسكر كما أن اللعب بالنرد والشطرنج لا يسكر ثم كان حراماً مثل الكثير فلا ينكر أن يكون اللعب بالنرد والشطرنج حراماً مثل الخمر وإن كان لا يسكر وأيضاً فإن ابتداء اللعب يورث الغفلة فتقوم تلك الغفلة المستولية على القلب مكان السكر، فإن كانت الخمر إنما حرمت لأنها تسكر فتصد بالإسكار عن الصلاة، فليحرم اللعب بالنرد والشطرنج لأنه يغفل ويلهي فيصد بذلك عن الصلاة والله أعلم . الثالثة عشرة- مهدى الرواية يد على أنه كان لم يبلغه الناسخ، وكان متمسكاً بالإباحة المتقدمة فكان ذلك دليلاً على أن الحكم لا يرتفع بوجود الناسخ - كما يقوله بعض الأصوليين- بل ببلوغه كما دل عليه هذا الحديث وهو الصحيح لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوبخه بل بين له الحكم ولأنه مخاطب بالعمل بالأول بحيث لو تركه عصى بلا خلاف وإن كان الناسخ قد حصل في الوجود وذلك كما وقع لأهل قباء إذ كانوا يصلون إلى بيت المقدس إلى أن أتاهم الآتي فأخبرهم بالناسخ، فمالوا نحو الكعبة، وقد تقدم في سورة البقرة والحمد لله وتقدم فيها ذكر الخمر واشتقاقها والميسر، وقد مضى في صدر هذه السورة القول في الأنصاب والأزلام والحمد لله

تفسير الجلالين


90 - (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر) المسكر الذي يخامر العقل (والميسر) القمار (والأنصاب) الأصنام (والأزلام) قداح الاستقسام (رجس) خبيث مستقذر (من عمل الشيطان) الذي يزينه (فاجتنبوه) أي الرجس المعبر به عن هذه الأشياء أن تفعلوه (لعلكم تفلحون)

أسباب النزول


قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر الآية روى أحمد عن أبي هريرة قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما فأنزل الله يسألونك عن الخمر والميسر الآية فقال الناس ما حرم علينا إنما قال إثم كبير وكانوا يشربون الخمر حتى كان يوم من الأيام صلى رجل من المهاجرين أم أصحابه في المغرب فخلط في قراءته فأنزل الله آية أغلظ منها يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ثم نزلت آية أغلظ من ذلك يا أيها الذين أمنوا إنما الخمر والميسر إلى قوله فهل أنتم منتهون قالوا انتهينا ربنا فقال الناس يا رسول الله قتلوا في سبيل الله وماتوا على فراشهم وكانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر وقد جعله الله رجسا من عمل الشيطان فأنزل الله ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إلى آخر الآية وروى النسائي والبيهقي عن ابن عباس قال انما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار شربوا فلما أن ثمل القوم عبث بعضهم ببعض فلما صحوا جعل الرجل يرى الأثر في وجهه ورأسه ولحيته فيقول صنع بي هذا أخي فلان وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن فيقول والله لو كان بي رءوفا رحيما ما صنع بي هذا حتى وقعت الضغائن في قلوبهم فأنزل الله هذه الآية يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر الآية فقال ناس من المتكفلين هي رجس وهي في بطن فلان وقد قتل يوم أحد فأنزل الله ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات الآية

تفسير ابن كثير


يقول تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن تعاطي الخمر والميسر وهو القمار وقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضى الله عنه أنه قال الشطرنج من الميسر رواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن عيسى بن مرحوم عن حاتم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي به وقال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي حدثنا وكيع عن سفيان عن ليث عن عطاء ومجاهد وطاوس قال سفيان أو اثنين منهم قالوا: كل شيء من القمار فهو من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز وروى عن راشد بن سعد وضمرة بن حبيب مثله وقالا: حتى الكعاب والجوز والبيض التي تلعب بها الصبيان وقال موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال الميسر هو القمار وقال الضحاك عن ابن عباس قال: الميسر هو القمار كانوا يتقامرون في الجاهلية إلى مجيء الإسلام فنهـاهم الله عن هذه الأخلاق القبيحة وقال مالك عن داود بن الحصين: أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: كان ميسر أهل الجاهلية يبيع اللحم بالشاة والشاتين. وقال الزهري عن الأعرج قال الميسر الضرب بالقداح على الأموال والثمار وقال القاسم بن محمد ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو من الميسر رواهن ابن أبي حاتم وقال ابن أبي حاتم حدثا أحمد بن منصور الزيادي حدثنا هشام بن عمار حدثنا صدقة حدثنا عثمان بن أبي العاتكة عن على بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" اجتنبوا هذه الكعاب الموسومة التي يزجر بها زجرا فإنها من الميسر" حديث غريب وكأن المراد بهذا هو النرد الذي ورد الحديث به في صحيح مسلم عن بريدة عن الحصيب الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه" وفي موطأ مالك ومسند أحمد وسنني أبي داود وابن ماجه عن أبي موسى الأثمري قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:" من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله " وروي موقوفا على أبي موسى من قوله فالله أعلم. وقاله الإمام أحمد حدثنا علي بن إبراهيم حدثنا الجعفر عن موسى بن عبد الرحمن الخطمي أنه سمع محمد بن كعب وهو يسأل عبد الرحمن يقول أخبرني ماسمعت أباك يقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عبد الرحمن سمعت أبي يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" مثل الذي يلعب بالنرد ثم يقوم فيصلي مثل الذي يتوضأ بالقيح ودم الخنزير ثم يقوم فيصلي" وأما الشطرنج لقد قال عبد الله بن عمر أنه شر من النرد وتقدم عن علي أنه قال هو من الميسر ونعى على تحريمه مالك وأبو حنيفة وأحمد وكرهه الشافعي رحمهم الله تعالى وأما الأنصاب فقال ابن عباس ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والحسن وغير واحد هي حجارة كانوا يذبحون قرابينهم عندها وأما الأزلام فقالوا أيضا هي قداح كانوا يستقسمون بها رواه ابن أبي حاتم وقوله تعالى" رجس من عمل الشيطان" قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أي سخط من عمل الشيطان وقال سعيد بن جبير: إثم وقال زيد بن أسلم أي شر من عمل الشيطان" فاجتنبوه" الضمير عائد على الرجس أي اتركوه لعلكم تفلحون وهذا أثر غريب.