آيات القرآن الكريم - إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ

المائدة: 1

بداية السورة   «  »  آخر السورة  آية عشوائية  Bookmark

اسم السورة: 5 المائدة
رقم الآية.: 1
معلوماتعدد الآيات: 120 ترتيب المصحف: 5 ترتيب النزول: 112 نزلت بعد سورة: الفتح مكية أم مدنية: مدنية ( الآية 3 نزلت بعرفات في حجة الوداع ) .
رقم الصفحة.106
عدد الآيات في السورة:120

تفسير القرطبي


بحول الله تعالى وقوته ، وهي مدنية بإجماع ، وروي أنها نزلت منصرف رسول الله من الحديبية . وذكر النقاش " عن أبي سلمة أنه قال : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية قال : (( يا علي أشعرت أنه نزلت علي سورة المائدة ونعمت الفائدة ؟ )) " قال ابن العربي : هذا حديث موضوع لا يحل لمسلم اعتقاه ، أما إنا نقول : سورة (( المائدة ، ونعمت الفائدة )) فلا نأثره عن أحد ولكنه كلام حسن . وقال ابن عطية : وهذا عندي لا يشبه كلام النبي صلى الله عليه وسلم . و" روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( سورة المائدة تدعى في ملكوت الله المنقذة تنقذ صاحبها من أيدي ملائكة العذاب )) " . ومن هذه السورة ما نزل في حجة الوداع ، ومنها ما أنزل عام الفتح وهو قوله تعالى : " ولا يجرمنكم شنآن قوم " الآية . وكل ما أنزل من القرآن بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم فهو مدني ، سواء نزل بالمدينة أو في سفر من الأسفار . وإنما يرسم بالمكي ما نزل قبل الهجرة . وقال أبو ميسرة : (( المائدة )) من آخر ما نزل ليس فيها منسوخ ، وفيها ثمان عشرة فريضة ليست في غيرها ، وهي : " والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع " ، " وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام " ، " وما علمتم من الجوارح مكلبين " ، "وطعام الذين أوتوا الكتاب " ، " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " وتمام الطهور " إذا قمتم إلى الصلاة " ، " والسارق والسارقة " ، " لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم " إلى قوله : "عزيز ذو انتقام " و" ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام " . وقوله تعالى :" شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت " الآية . قلت : وفريضة تاسعة عشرة وهي قوله جل وعز : " وإذا ناديتم إلى الصلاة " ليس للأذان ذكر في القرآن إلا في هذه الآية ، أما ما جاء في سورة (( الجمعة )) فمخصوص بالجمعة ، وهو في هذه السورة عام لجميع الصلوات . و" روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ سورة (( المائدة )) في حجة الوداع وقال : (( يا أيها الناس إن سورة المائدة من آخر ما نزل فأحلوا حلالها وحرموا حرامها )9 " ونحوه " عن عائشة رضي الله موقوفا ، قال جبير بن نفير : دخلت على عائشة رضي الله عنها فقالت : هل تقرأ سورة (( المائدة )) ؟ فقلت : نعم ، فقالت : فإنها آخر ما أنزل الله ، فما وجدتم فيها من حلال فأحلوه وما وجدتم فيها من حرام فحرموه " . وقال الشعبي : لم ينسخ من هذه السورة إلى قوله : " ولا الشهر الحرام ولا الهدي " الآية . وقال بعضهم : نسخ منها " أو آخران من غيركم " . فيه سبع مسائل : الأولى - قوله تعالى:" يا أيها الذين آمنوا " قال علقمة: كل ما في القرآن يا أيها الذين آمنوا فهو مدني و يا أيها الناس فهو مكي وهذا خرج على الأكثر وقد تقدم وهذه الآية مما تلوح فصاحتها وكثرة معانيها على قلة ألفاظها لكل ذي بصيرة بالكلام فإنها تضمنت خمسة أحكام: الأول - الأمر بالوفاء بالعقود الثاني - تحليل بهيمة الأنعام، الثالث - استثناء ما يلي بعد ذلك الرابع- استثناء حال الإحرام فيما صاد الخامس - ما تقتضيه الآية من إباحة الصيد لمن ليس بمحرم، وحكى النقاش أن أصحاب الكندي قالوا له : أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن فقال : نعم ! أعمل مثل بعضه فاحتجب أياماً كثيرة ثم خرج فقال : والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد، إني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء ونهى عن النكث وحلل تحليلاً عاما، ثم استثنى استثناء بعد استثناء ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا إلا في أجلاد الثانية -قوله تعالى :" أوفوا" يقال: وفي وأوفى لغتان! قال الله تعالى :" ومن أوفى بعهده من الله " [ التوبة : 111] وقال تعالى :" وإبراهيم الذي وفى " [ النجم: 37] وقال الشاعر: أما ابن طوق فقد أوفى بذمته كما وفى بقلاص النجم حاديها فجمع بين اللغتين "بالعقود " العقود الربوط، واحدها عقد، يقال: عقدت العهد والحبل وعقدت العسل فهو يستعمل في المعاني والأجسام قال الحطيئة: قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا فأمر الله سبحانه بالوفاء بالعقود، قال الحسن: يعني بذلك عقود الدين وهي ما عقده المرء على نفسه، من بيع وشراء وإجارة وكراء ومناكحة وطلاق ومزارعة ومصالحة وتمليك وتخيير وعتق وتدبير وغير ذلك من الأمور ما كان ذلك غير خارج عن الشريعة وكذلك ما عقده على نفسه لله من الطاعات، كالحج والصيام والاعتكاف والقيام والنذر وما أشبه ذلك من طاعات ملة الإسلام. وأما نذر المباح فلا يلزم بإجماع من الأمة قاله ابن العربي: ثم قيل: إن الآية نزلت في أهل الكتاب، لقوله تعالى :" وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه " [ آل عمران : 187] قال ابن جريج: هو خاص بأهل الكتاب وفيهم نزلت وقيل: هي عامة وهو الصحيح فإن لفظ المؤمنين يعم مؤمني أهل الكتاب لأن بينهم وبين الله عقداً في أداء الأمانة فيما في كتابهم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم مأمورون بذلك في قوله:" أوفوا بالعقود " وغير موضع قال ابن عباس: " أوفوا بالعقود " معناه بما أحل وبما حرم وبما فرض وبما حد في جميع الأشياء، وكذلك قال مجاهد وغيره وقال ابن شهاب قرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران وفي صدره : هذا بيان للناس من الله ورسوله " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " فكتب الآيات فيها إلى قوله " إن الله سريع الحساب " وقال الزجاج: المعنى أوفوا بعقد الله عليكم وبعقدكم بعضكم على بعض وهذا كله راجع إلى القول بالعموم وهو الصحيح في الباب "قال صلى الله عليه وسلم : المؤمنون عند شروطهم " وقال : "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط" فبين أن الشرط أو العقد الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله أي دين اله فإن ظهر فيها ما يخالف رد كما "قال صلى الله عليه وسلم : من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " ذكر ابن إسحاق قال: اجتمعت قبائل من قريش في دار عبد الله بن جدعان لشرفه ونسبه- فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه حتى ترد عليه مظلمته فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول وهو الذي قال به الرسول صلى الله عليه وسلم : "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم ولو ادعي به في الإسلام لأجبت " وهذا الحلف هو المعنى المراد في "قوله عليه السلام: وأيما حلف كان في الجاهلية لم يرده الإسلام إلا شدة " لأنه موافق للشرع إذ أمر بالانتصاف من الظالم، فأما ما كان من عهدهم الفاسدة وعقودهم الباطلة على الظلم والغارات فقد هدمه الإسلام والحمد لله قال ابن إسحاق: تحامل الوليد بن عتبة على الحسين بن علي في مال له - لسلطان الوليد: فإنه كان أميراً على المدينة- فقال له الحسين: أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن بسيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لأدعون بحلف الفضول قال عبد الله بن الزبير: وأنا أحلف بالله لئن دعاني لأخذن بسيفي ثم لأقومن معه حتى ينتصف من حقه أو نموت جميعاً، وبلغت المسور بن مخرمة فقال مثل ذلك وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي فقال مثل ذلك فلما بلغ ذلك الوليد أنصفه . الثالثة- قوله تعالى :" أحلت لكم بهيمة الأنعام " الخطاب لكل من التزم الإيمان على وجهه وكماله وكانت للعرب سنن في الأنعام من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام يأتي بينها، فنزلت هذه الآية رافعة لتلك الأوهام الخيالية والآراء الفاسدة الباطلية واختلف في معنى " بهيمة الأنعام " والبهيمة اسم لكل ذي أربع سميت بذلك لإبهامها من جهة نقص نطقها وفهمها وعدم تمييزها وعقلها ومنه باب مبهم أي مغلق، وليل بهيم، وبهمة للشجاع الذي لا يدرى من أين يؤتى له والأنعام : الإبل والبقر والغنم سيمت بذلك للين مشيها قال الله تعالى : "والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع "[النحل: 142] يعني كباراً وصغاراً ثم بينها قال :" ثمانية أزواج " [ الأنعام : 143] إلى قوله :" أم كنتم شهداء " [ الأنعام : 244] وقال تعالى " وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها " [ النحل : 80] يعني الغنم : " وأوبارها " [ النحل: 80] يعني الإبل" وأشعارها" [ النحل : 80] يعني المعز فهذه ثلاثة أدلة تنبئ عن تضمن اسم الأنعام لهذه الأجناس، الإبل والبقر والغنم، وهو قول ابن عباس والحسن: قال الهروي: وإذا قيل النعم فهو الإبل خاصة وقال الطبري: وقال قوم بهيمة الأنعام وحشيها كالظباء وبقر الوحش والحمر وغير ذلك وذكره غير الطبري عن السدي والربيع وقتادة والضحاك، كأنه قال : أحلت لكم الأنعام فأضيف الجنس إلى أخص منه ، قال ابن عطية: وهذا قول حسن، وذلك أن الأنعام هي الثمانية الأزواج، وما انضاف إليها من سائر الحيوان يقال له أنعام بمجموعة معه، وكأن المفترس كالأسد وكل ذي ناب خارج عن حد الأنعام، فبهيمة الأنعام هي الراعي من ذوات الأربع . قلت: فعلى هذا يدخل فيها ذوات الحوافر لأنها راعية غير مفترسة وليس كذلك لأن الله تعالى :" والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع " ثم عطف عليها قوله " والخيل والبغال والحمير " [ النحل: 8] استأنف ذكرها وعطفها على الأنعام دل على أنها ليست منها والله أعلم وقيل: بهيمة الأنعام ما لم يكن صيداً لأن الصيد يسمى وحشاً لا بهيمة وهذا راجع إلى القول الأول وروى عن عبد الله بن عمر أنه قال : بهيمة الأنعام الأجنة التي تخرج عند الذبح من بطون الأمهات فهي تؤكل دون ذكاة وقاله ابن عباس وفيه بعد لأن الله تعالى قال :" إلا ما يتلى عليكم " وليس فلي الأجنة ما يستثنى قال مالك، ذكاة الذبحة ذكاة لجنينها إذا لم يدرك حياً وكان قد نبت شعرة تم خلقه فإن لم يتم خلقه ولم ينبت شعره لم يؤكل إلا أن يدرك حياً فيذكى وإن بادروا إلى تذكيته فمات بنفسه فقيل: هو ذكي وقيل: ليس ذكي وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى . الرابعة -قوله تعالى :" إلا ما يتلى عليكم " أي يقرأ عليكم في القرآن والسنة من قوله تعالى :" حرمت عليكم الميتة " [ المائدة:3] و"قوله عليه الصلاة والسلام : كل ذي ناب من السباع حرام " فإن قيل: الذي يتلى علينا الكتاب ليس السنة قلنا: كل سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهي من كتاب الله والدليل عليه أمران : أحدهما - حديث العسيف . " لأقضين بنيكما بكتاب الله " والرجم ليس منصوصاً في كتاب الله الثاني حديث ابن مسعود. وما لي لا أعلن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله والحديث وسيأتي في سورة الحشر ويحتمل إلا ما يتلى عليكم الآن أو ما يتلى عليكم فيما بعد من مستقبل الزمان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون فيه دليل على جواز تأخير البيان عن وقت لا يفتقر فيه إلى تعجيل الحاجة . الخامسة - قوله تعالى :" غير محلي الصيد " أي ما كان صيداً فهو حلال في الإحلال دون الإحرام، وما لم يكن صيداً فهو حلال في الحالين واختلف النحاة في إلا ما يتلى هل هو استثناء أو لا ؟ فقال البصريون: هو استثناء من بهيمة الأنعام و غير محلى الصيد استثناء آخر أيضاً منه، فالاستثناءان جميعاً من قوله: بهيمة الأنعام وهي المستثنى منها التقدير: إلا ما يتلى عليكم إلا الصيد وأنتم محرمون بخلاف قوله : "إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين * إلا آل لوط " [ الحجر : 58-59] على ما يأتي وقيل: هو مستثنى مما يليه من الاستثناء فيصير بمنزلة قوله عز وجل :"قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين " [ الحجر : 58] ولو كان كذلك لوجب إباحة الصيد في الإحرام لأنه مستثنى من المحظور إذ كان قوله تعالى : " إلا ما يتلى عليكم " مستثنى من الإباحة وهذا وجه ساقط فإذاً معناه أحلت لكم بهيمة الأنعام غير محلي الصيد وأنتم حرم إلا ما يتلى عليكم سوى الصيد ويجوز أن يكون معناه أيضاً أوفوا بالعقود غير محلي الصيد وأحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم وأجاز الفراء أن يكون إلا ما يتلى عليكم في موضع رفع على البدل على أن يعطف بإلا كما يعطف بلا، ولا يجيزه البصريون إلا في النكرة أو ما قاربها من أسماء الأجناس نحو جاء القوم إلا زيد، والنصب عنده بأن غير محلى الصيد نصب على الحال مما في أوفوا قال الأخفش: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود غير محلى الصيد وقال غيره: حال من الكاف والميم في لكم والتقدير: أحلت لكم بهيمة الأنعام غير محلى الصيد ، ثم قيل: يجوز أن يرجع الإحلال إلى الناس، أي لا تحلوا الصيد في حال الإحرام، ويجوز أن يرجع إلى الله تعالى أي أحللت لكم البهيمة إلا ما كان صيداً في وقت الإحرام، كما تقول: أحللت لك كذا غير مبيح لك يوم الجمعة فإذا قلت يرجع إلى الناس فالمعنى: غير محلين الصيد، فحذفت النون تخفيفاً . السادسة- قوله تعالى :" وأنتم حرم " يعني الإحرام بالحج والعمرة يقال: رجل حرم وقوم حرم إذا أحرموا بالحج ومنه قول الشاعر: فقلت لها فيئي إليك فإنني حرام وإني بعد ذاك لبيب أي ملب وسمي ذلك إحراماً لما يحرمه من دخل فيه على نفسه من النساء والطيب وغيرهما ويقال : أحرم دخل في الحرم فيحرم صيد الحرم أيضاً وقرأ السحن وإبراهيم ويحيى بن وثاب حرم بسكون الراء، وهي لغة تميمية يقولون في رسل: رسل وفي كتب كتب ونحوه . السابعة- قوله تعالى :" إن الله يحكم ما يريد " تقوية لهذه الأحكام الشرعية المخالفة لمعهود أحكام العرب، أي فأنت يا محمد السامع لنسخ تلك التي عهدت من أحكامهم تنبه، فإن الذي هو مالك الكل " يحكم ما يريد " " لا معقب لحكمه " [ الرعد : 41] يشرع ما شاء كما يشاء .

تفسير الجلالين


سورة المائدة [مدنية وآياتها 120 أو 122 أو 123 آية نزلت بعد الفتح] 1 - (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) العهود المؤكدة التي بينكم وبين الله والناس (أحلت لكم بهيمة الأنعام) الإبل والبقر والغنم أكلاً بعد الذبح (إلا ما يتلى عليكم) تحريمه في {حرمت عليكم الميتة} الآية ، فالاستثناء منقطع ويجوز أن يكون متصلاً والتحريم لما عرض من الموت ونحوه (غير محلي الصيد وأنتم حرم) أي مُحرِمون ونصب غير على الحال من ضمير لكم (إن الله يحكم ما يريد) من التحليل وغيره لا اعتراض عليه

أسباب النزول


لا يوجد أسباب النزول

تفسير ابن كثير


سورة المائدة. قال الإمام أحمد حدثنا أبو النضر حدثنا أبو معاوية شيبان عن ليث عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت إني لآخذه بزمام العضباء ناقة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذ نزلت عليه المائدة كلها وكادت من ثقلها تدق عضد الناقة وروى ابن مردوية من حديث صباح بن سهل عن عاصم الأحول قال: حدثني أم عمرو عن عمها أنه كان في مسير مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فنزلت عليه سورة المائدة فانطلق عنق الراحلة من ثقلها. وقال أحمد أيضا: حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة حدثني حيي بن عبد الله بن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو قال: أنزلت على وآله وسلم سوره المائدة وهو راكب على راحلته فلم تستطع أن تحمله فنزل منها تفرد به أحمد وقد روى قتيبة عن عبد الله بن وهب عن حيي عن أبي عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو قال آخر سورة أنزلت سورة المائدة والفتح ثم قال الترمذي هذا حديث حسن غريب. وقد روى عن ابن عباس أنه قال: آخر سورة أنزلت " إذا جاء نصر الله والفتح " وقد روى الحاكم في مستدركه من طريق عبد الله بن وهب بإسناده نحو رواية الترمذي ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وقال الحاكم أيضا حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا يحيى بن نصر قال قرئ على عبد الله بن وهب أخبرنا معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن جبير بن نفير قال: حججت فدخلت على عائشة فقالت لي يا جبير تقرأ المائدة؟ فقلت نعم فقالت أما إنها آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه وما وجدتم من حرام فحرموه ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ورواه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح وزاد وسألتها عن خلق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقالت القرآن. ورواه النسائي من حديث ابن مهدي. قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا نعيم بن حماد حدثنا عبد الله بن المبارك حدثنا مسعر حدثني معن وعوف أو أحدهما أن رجل أتى عبد الله بن مسعود فقال: اعهد إلي فقال إذا سمعت الله يقول " يا أيها الذين آمنوا " فارعها سمعك فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه. وقال: حدثنا علي بن الحسين حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم حدثنا الوليد حدثنا الأوزاعي عن الزهري قال: إذا قال الله " يا أيها الذين آمنوا " افعلوا فالنبي- صلى الله عليه وسلم- منهم وحدثنا أحمد بن سنان حدثنا محمد بن عبيد حدثنا الأعمش عن خيثمة قال: كل شيء في القرآن " يا أيها الذين آمنوا " فهو في التوراة يا أيها المساكين. فأما ما رواه عن زيد بن إسماعيل الصائغ البغدادي حدثنا معاوية يعني ابن هشام عن عيسى بن راشد عن علي بن بذيمة عن عكرمة عن ابن عباس قال: ما في القرآن آية " يا أيها الذين آمنوا " إلا أن عليا سيدها وشريفها وأميرها وما من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- أحد إلا قد عوتب في القرآن إلا عليا بن أبي طالب فإنه لم يعاتب في شيء منه. فهو أثر غريب ولفظه فيه نكارة وفي إسناده نظر. وقال البخاري عيسى بن راشد هذا مجهول وخبره منكر قلت وعلي بن بذيمة وإن كان ثقة إلا أنه شيعي غال وخبره في مثل هذا فيه تهمة فلا يقبل قوله فلم يبق أحد من الصحابة إلا عوتب في القرآن إلاعليا إنما يشير به إلى الآية الآمرة بالصدقة بين يدي النجوى فإنه قد ذكر غير واحد أنه لم يعمل بها أحد إلا علي ونزل قوله " أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم " الآية. وفي كون هذا عتابا نظر فإنه قد قيل إن الأمر كان ندبا لا إيجابا ثم قد نسخ ذلك عنهم قبل الفعل فلم يصدر من أحد منهم خلافه. وقوله عن علي أنه لم يعاتب في شيء من القرآن فيه نظر أيضا فإن الآية التي في الأنفال التي فيها المعاتبة على أخذ الفداء عمت جميع من أشار بأخذه ولم يسلم منها إلا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فعلم بهذا وبما تقدم ضعف هذا الأثر والله أعلم. وقال ابن جرير: حدثني المثنى حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا الليث حدثني يونس قال: قال محمد بن مسلم: قرأت كتاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم فيه: هذا بيان من الله ورسوله " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " فكتب الآيات منها حتى بلغ " إن الله سريع الحساب " وقال ابن أبى حاتم: حدثنا أبو سعيد حدثنا يونس بن بكر حدثنا محمد بن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه قال: هذا كتاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عندنا الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ويعلمهم السنة ويأخذ صدقاتهم فكتب له كتابا وعهدا أمره فكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله ورسوله " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " عهد من محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن أمره بتقوى الله في أمره كله فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون قوله تعالى " أوفوا بالعقود " قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني بالعقود العهود وحكى ابن جرير الإجماع على ذلك قال: والعهود ما كانوا يتعاقدون عليه من الحلف وغيره وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس في قوله " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " يعني العهود يعني ما أحل الله وما حرم وما فرض وما حد في القرآن كله ولا تغدروا ولا تنكثوا ثم شدد في ذلك فقال تعالى " والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل " إلى قوله " سوء الدار " وقال الضحاك: " أوفوا بالعقود " قال: ما أحل الله وحرم وما أخذ الله من الميثاق على من أقر بالإيمان بالنبي - صلى الله عليه وسلم- والكتاب أن يوفوا بما أخذ الله عليهم من الفرائض من الحلال والحرام. وقال زيد بن أسلم:" أوفوا بالعقود " قال هي ستة: عهد الله وعقد الحلف وعقد الشركة وعقد البيع وعقد النكاح وعقد اليمين وقال محمد ابن كعب: هي خمسة منها: حلف الجاهلية وشركة المفاوضة وقد استدل بعض من ذهب إلى أنه لا خيار في مجلس البيع بهذه الآية " أوفوا بالعقود " قال فهذه تدل على لزوم العقد وثوبته فيقتضي نفى خيار المجلس وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك وخالفهما في ذلك الشافعي وأحمد والجمهور: والحجة في ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:" البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" وفي لفظ آخر للبخاري" إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا" وهذا صريح في إثبات خيار المجلس المتعقب لعقد البيع وليس هذا منافيا للزوم العقد بل هو من مقتضياته شرعًا فالتزامه من تمام الوفاء بالعقود. وقوله تعالى " أحلت لكم بهيمة الأنعام " هى: الإبل والبقر والغنم قاله: أبو الحسن وقتادة وغير واحد قال ابن جرير: وكذلك هو عند العرب وقد استدل ابن عمر وابن عباس وغير واحد بهذه الآية على إباحة الجنين إذا وجد ميتا في بطن أمه إذا ذبحت و قد ورد في ذلك حديث في السنن رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من طريق مجاهد عن أبي الودَّاك جبير بن نوفل عن أبي سعيد قال: قلنا يا رسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة أو الشاة في بطنها الجنين أنلقيه أم نأكله فقال:" كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه" وقال الترمذي: حديث حسن قال أبو داود حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عتاب بن بشير حدثنا عبيد الله بن أبي زياد القداح المكي عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال:" ذكاة الجنين ذكاة أمه" تفرد به أبو داود وقوله " إلا ما يتلى عليكم " قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني بذلك الميتة والدم ولحم الخنزير وقال قتادة: يعني بذلك الميتة وما لم يذكر اسم الله عليه والظاهر والله أعلم أن المراد بذلك قوله " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع " فإن هذه وإن كانت من الأنعام إلا أنها تحرم بهذه العوارض ولهذا قال "إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب" يعني منها فإنه حرام لا يمكن إستدراكه وتلاحقه ولهذا قال تعالى "أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم" أى إلا ما سيتلى عليكم من تحريمه بعضها في بعض الأحوال وقوله تعالى" غير محلي الصيد وأنتم حرم " قال بعضهم هذا منصوب على الحال والمراد بالأنعام ما يعم الإنسي من الإبل والبقر والغنم وما يعم الوحش كالظباء والبقر والحمر فاستثنى من الإنسي ما تقدم واستثنى من الوحشي الصيد في حال الإحرام وقيل المراد أحلننا لكم الأنعام إلا ما استثني منها لمن التزم تحريم الصيد وهو حرام لقوله " فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم " أي أبحنا تناول الميتة للمضطر بشرط أن يكون غير باغ ولا متعد وهكذا هنا أى كما أحللنا الأنعام في جميع الأحوال فحرموا الصيد في حال الإحرام فإن الله قد حكم بهذا وهو الحكيم في جميع ما يأمر به وينهى عنه ولهذا قال تعالى "إن الله يحكم ما يريد".