آيات القرآن الكريم - إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون

إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

المزمل: 20

بداية السورة   «  »  آخر السورة  آية عشوائية  Bookmark

اسم السورة: 73 المزمل
رقم الآية.: 20
معلوماتعدد الآيات: 20 ترتيب المصحف: 73 ترتيب النزول: 3 نزلت بعد سورة: القلم مكية أم مدنية: مكية ماعدا الآيات 10, 11, 20 مدنية
رقم الصفحة.575
عدد الآيات في السورة:20

تفسير القرطبي


قوله تعالى : " إن ربك يعلم أنك تقوم" هذه الآية تفسير لقوله تعالى : " قم الليل إلا قليلا * نصفه أو انقص منه قليلا * أو زد عليه " كما تقدم، وهي الناسخة لفرضية قيام الليل كما تقدم. ((تقوم)) معناه تصلي و " أدنى" أي اقل وقرأ ابن السميقع وابو حيوة وهشام عن اهل الشام " ثلثي" بإسكان اللام. " ونصفه وثلثه" بالخفض قراءة العامة عطفاص على (( ثلثي ))، المعنى : تقوم ادنى من ثلثي الليل ومن نصفه وثلثه. واختاره ابو عبيد وابو حاتم كقوله تعالى : " علم أن لن تحصوه" فكيف يقومون نصفه او ثلثه وهم لا يحصونه. وقرأ ابن كثير والكوفيون (( ونصفه وثلثه)) بالنصب عطفا على ((ادنى )) التقدير : تقوم ادنى من ثلثي الليل وتقوم نصفه وثلثه. قال الفراء وهو اشبه بالصواب، لأنه قال اقل من الثلثين، ثم ذكر نفس القلة لا اقل من القلة. القشيري : وعلى هذه القراءة يحتمل انهم كانوا يصيبون الثلث والنصف، لخفة القيام عليهم بذلك القدر، وكانوا يزيدون، وفي الزيادة اصابة المقصود ، فأما الثلثان فكان يثقل عليهم قيامه فلا يصيبونه، وينقصون منه. ويحتمل انهم امروا بقيام نصف الليل، وفي النصف الى الثلث. ويحتمل انهم قدر لهم النصف وانقص الى الثلث، والزيادة الى الثلثين، وكان فيهم من يفي بذلك، وفيهم من يترك ذلك الى ان نسخ عنهم. وقال قوم : انما افترض الله عليهم الربع، وكانوا ينقصون من الربع. وهذا القول تحكم. الثانية - قوله تعالى: " والله يقدر الليل والنهار" أي يعلم مقادير الليل والنهار على حقائقها، وانتم تعلمون بالتحري والاجتهاد الذي يقع فيه الخطأ. " علم أن لن تحصوه" أي لن تطيقوا معرفة حقائق ذلك والقيام به. وقيل: أي لن تطيقوا قيام الليل. والأول اصح، فإن قيام الليل ما فرض كله قط. قال مقاتل وغيره: لما نزلت " قم الليل إلا قليلا * نصفه أو انقص منه قليلا * أو زد عليه" شق ذلك عليهم، وكان الرجل لا يدي متى نصف الليل من ثلثه، فيقوم حتى يصبح مخافة ان يخطىء، فانتفخت اقدامهم، وانتقعت الوانهم، فرحمهم الله وخفف عنهم، فقال تعالى: " علم أن لن تحصوه" و (( أن)) مخففة من الثقيلة، أي علم انكم لن تحصوه، لأنكم ان زدتم ثقل عليكم، واحتجتم الى تكليف ما ليس فرضاً، وان نقصتم شق ذلك عليكم. الثالثة - قوله تعالى : " فتاب عليكم" أي فعاد عليكم بالعفو، وهذا يدل على انه كان فيهم في ترك بعض ما امر به. وقيل : أي فتاب عليكم من فرض القيام اذ عجزتم. واصل التوبة الرجوع كما تقدم، فالمعنى رجع لكم من تثقيل الى تخفيف، ومن عسر الى يسر. وانما امروا بحفظ الأوقات على طريق التحري، فخفف عنهم ذلك التحري. وقيل : معنى " والله يقدر الليل والنهار" يخلقهما مقدرين، كقوله تعالى : " وخلق كل شيء فقدره تقديرا" [ الفرقان:2] ابن العربي : تقدير الخلقة لا يتعلق به حكم، وانما يربط الله به ما يشاء من وظائف التكليف. الرابعة - قوله تعالى : " فاقرؤوا ما تيسر من القرآن" فيه قولان: احدهما ان المراد نفس القراءة، اين فاقرؤوا فيما تصلونه بالليل ما خف عليك . قال السدي : ما ئة آية. الحسن: من قرأ مائة آية ليلة لم يحاجة القرآن. وقال كعب : من قرأ في ليلة مائة آية كتب من القانتين. وقال سعيد : خمسون آية. قلت : قول كعب اصح، " لقوله علية السلام: (( من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين)) " خرجه ابو داود الطيالسي في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو. وقد ذكرناه في مقدمة الكتاب والحمد لله. القول الثاني: " فاقرؤوا ما تيسر منه " أي فصلوا ما تيسر عليكم، والصلاة تسمى قرآناً ، كفوله تعالى : " وقرآن الفجر" [ الإسراء: 78] أي صلاة الفجر. ابن العربي وهو الأصح، لأنه عن الصلاة اخبر، واليها يرجع القول. قلت : الأول اصح حملا للخطاب على ظاهر اللفظ، والقول لاثاني مجاز، فإنه من تسمية الشيء ببعض ما هو من اعماله. الخامسة - قال بعض العلماء: قوله تعالى : " فاقرؤوا ما تيسر منه " نسخ قيام الليل ونصفه، والنقصان من النصف والزيادة عليه. ثم احتمل قول الله عز وجل: " فاقرؤوا ما تيسر منه " معنيين احدهما ان يكون فرضاً ثانياً، لأنه ازيل به فرض غيره. والآخر ان يكون فرضاً منسوخاً ازيل بغيره كما ازيل به غيره، وذلك لقوله تعالى: " ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا" [ الإسراء: 79] فاحتمل قوله تعالى: " ومن الليل فتهجد به نافلة لك" أي نتهجد بغير الذي فرض عليه مما تيسر منه. قال الشافعي: فكان الواجب طلب الاستدلال بالسنة على احد المعنيين، فوجدنا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تدل على ان لا واجب من الصلاة الا خمس. السادسة- قال القشيري ابو نصر: والمشهور ان نسخ قيام الليل كان في حق الأمة وبقيت الفريضة في حق النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل : نسخ التقدير بمقدار، وبقي اصل الوجوب، كقوله تعالى : " فما استيسر من الهدي" [ البقرة: 196] فالهدى لا بد منه، كذلك لم يكن بد من صلاة الليل، ولكن فوض قدره الى اختيار المصلي، وعلى هذا فقد قال قوم: بد من صلاة الليل، ولكن فوض قدره الى اختيار المصلي، وعلى هذا فقد قال قوم: فرض قيام الليل بالقليل باق، وهو مذهب الحسن. وقال قوم : نسخ بالكلية، فلا تجب صلاة الليل اصلاً، وهو مذهب الشافعي ولعل الفريضة التي بقيت في حق النبي صلى الله عليه وسلم هي هذا، وهو قيامه، ومقداره مفوض الى خيرته. واذا ثبت ان القيام ليس فرضاً فقوله تعالى:" فاقرؤوا ما تيسر منه " معناه اقرؤوا ان تيسر عليكم ذلك، وصلوا ان شئتم. وصارقوم الى ان النسخ بالكلية تقرر في حق النبي صلى الله عليه وسلم ايضاً، فما كانت صلاة الليل واجبة عليه. وقوله : " نافلة لك" محمول على حقيقة النفل. ومن قال : نسخ المقدار وبقي اصل وجوب قيام الليل ثم نسخ، فهذا النسخ الثاني وقع ببيان مواقيت الصلاة، كقوله تعالى: " أقم الصلاة لدلوك الشمس" [ الإسراء: 78] وقوله : " فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون" [ الروم:17] ما في الخبر من ان الزيادة على الصلوات الخمس تطوع. وقيل : وقع النسخ بقوله تعالى: " ومن الليل فتهجد به نافلة لك " والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم للامة، كما ان فرضية الصلاة وان خوطب بها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: " يا أيها المزمل * قم الليل" كانت عامة له ولغيره. وقد قيل : ان فريضة الله امتدت الى ما بعد الهجرة، ونسخت بالمدينة، لقوله تعالى: " علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله " وانما فرض القتال بالمدينة، فعلى هذا البيان المواقيت جرى بمكة، فقيام الليل نسخ بقوله تعالى :" ومن الليل فتهجد به نافلة لك " [الإسراء:79]. و"قال ابن عباس لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم نسخ قول الله تعالى : " إن ربك يعلم أنك تقوم" وجوب صلاة الليل". السابعة - قوله تعالى : " علم أن سيكون منكم مرضى" الآية، بين سبحانه على تخفيف قيام الليل، فإن الخلق منهم المريض، ويشق عليهم قيام الليل ، ويشق عليهم ان تفوتهم الصلاة، والمسافر في التجارات قد لا يطيق قيام الليل، ولامجاهد كذلك ، فخفف الله عن الكل لأجل هؤلاء. و((أن)) في ((أن سيكون)) مخففة من الثقيلة، أي علم انه سيكون. الثامنة_ سوى الله تعالى في هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين المال الحلال للنفقة عل نفسه وعياله، والإحسان والإفضال، فكان هذا دليلاً على ان كسب المال بمنزلة الجهاد، لأنه جمعه مع الجهاد في سبيل الله. وروى ابراهيم عن علقمة قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما من جالب يجلب طعاما من بلد فيبيعه بسعر يومه الا كانت منزلته عند الله منزلة الشهداء))ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم" وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله " " وقال ابن مسعود : أيما رجل جلب شيئاً الى مدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً، فباعه بسعر يومه كان له عند الله منزلة الشهداء. وقرأ " آخرون يضربون في الأرض" الآية . وقال ابن عمر: ما خلق الله موته أموتها بعد الموت في سبيل الله احب الي من الموت بين شعبتي رحلي، ابتغي من فضل الله ضارباً في الأرض. وقال طاوس: الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله وعن بعض السلف انه كان بواسط، فجهز سفينة حنطة الى البصرة، وكتب الى وكيله: بع الطعام يوم تدخل البصرة، ولا تؤخره الى غد، فوافق سعة في السعر، فقال التجار للوكيل: ان اخرته جمعه ربحت فيه اضعافه، فأخره جمعه فربح فيه أمثاله، فكتب الى صاحبه بذلك، فكتب اليه صاحب الطعام: يا هذا ! انا كنا قنعنا بربح يسير مع سلامة ديننا، وقد جنيت علينا جناية، فإذا اتاك كتابي هذا فخذ المال وتصدق به على فقراء البصرة، وليتني انجو من الاحتكار كفافاً لا علي ولا لي. ويروي ان غلاماً من اهل مكة كان ملازما للمسجد، فافتقده ابن عمر، فمشى الى بيته، فقالت امه: هو على طعام له يبيعه، فلقيه فقال له: يا بني ! مالك وللطعام؟ فهلا إبلا، فهلا بقراً، فهلا غنماً! ان صاحب الطعام يحب المحل، وصاحب الماشية يحب الغيث. التاسعة- قوله تعالى : " فاقرؤوا ما تيسر منه " أي صلوا ما امكن، فأوجب الله من صلاة الليل ما تيسر، ثم نسخ ذلك بإيجاب الصلوات الخمس على ما تقدم. قال ابن العربي وقد قال قوم: ان فرض قيام الليل سن في ركعتين من هذه الآية ، قاله البخاري وغيره وعقد بابا ذكر فيه حديث: " يعقد الشيطاه على قافية رأس احدكم اذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة مكانها: عليك ليل طويل فارقد. فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقده كلها، فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا اصبح خبيث النفس كسلان)) "وذكر "حديث سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرؤيا قال: (( اما الذي يثلغ رأسه بالحجر فإنه يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة)) ". و"حديث ابن مسعود قال: ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم رجل ينام الليل كله فقال : ذلك رجل بال الشيطاه في أذنيه))" فقال ابن العربي فهذه احاديث مقتضية حمل مطلق الصلاة على المكتوبة، فيحمل المطلق على المقيد لاحتماله له، وتسقط الدعوى ممن عينه لقيام الليل. وفي الصحيح واللفظ للبخاري : قال " عبد الله بن عمرو: وقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( يا عبد الله لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل ))" ولو كان فرضاً ما أقره النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أخبر بمثل هذا الخبر عنه، بل كان يذمة غاية الذم،وفي الصحيح "عن عبد الله بن عمر قال: كان الرجل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى رؤيا قصها على النبي صلى الله عليه وسلم وكنت غلاما شاباً عزباً، وكنت انام في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيت في النوم كأن ملكين اخذاني فذهبا بي الى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، واذا لها قرنان، واذا فيها ناس قد عرفتهم، فجعلت اقول: اعوذ بالله من النار. قال: ولقينا ملك آخر، فقال لي : لم ترع. فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : (( نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل))" فكان بعد لا ينام من الليل الا قليلاً ، فلو كان ترك القيام معصية لما قال له الملك : لم ترع. والله اعلم. العاشرة - اذا ثبت ان قيام الليل ليس بفرض، وأن قوله: " فاقرؤوا ما تيسر من القرآن" ، " فاقرؤوا ما تيسر منه " محمول على ظاهرة من القراءة في الصلاة، فاختلف العلماء في قدر ما يلزمه ان يقرأ به في الصلاة، فقال مالك الشافعي : فاتحة الكتاب لا يجزئ العدول عنها، ولا الاقتصار على بعضها، وقدره ابوحنيفة بآية واحدة، من أي القرآن كانت. وعنه ثلاث آيات ، لأنها اقل سورة. ذكر القول الأول الماوردي والثاني ابن العربي. والصحيح ما ذهب اليه مالك والشافعي : على ما بيناه في سورة (( الفاتحة)) اول الكتاب والحمد لله. وقيل : ان المراد به قراءة القرآن في غير الصلاة، قال الماوردي: فعلى هذا يكون مطلق هذا الأمر محمولاً على الوجوب، او على الاستحباب دون الوجوب . وهذا قول الأكثرين، لأنه لو وجب عليه ان يقرأ لوجب عليه ان يحفظه. الثاني انه محمول على الوجوب، ليقف بقراءته على اعجازه، وما فيه من دلائل التوحيد وبعث الرسل، ولا يلزمه اذا قرأه وعرف اعجازه، وما فيه ان يحفظه، لأن حفظ القرآن من القرب المستحبة دون الواجبة. وفي قدر ما تضمنه هذا الأمر من القراءة خمسة أقوال : احدها جميع القرآن، لأن الله تعالى يسره على عباده، قاله الضحاك. الثاني ثلث القرآن، حكاه جوبير الثالث مائتا آية ، قاله السدي . الرابع مائة آية ، قاله ابن عباس. الخامس ثلاث آيات كأقصر سورة، قاله ابو خالد الكناني. الحادية عشرة_ قوله تعالى : " وأقيموا الصلاة" يعني المفروضة وهي الخمس لوقتها. " وآتوا الزكاة" الواجبة في اموالكم، قاله عكرمة وقتادة. وقال الحارث العكلي: صدقة الفطر لأن زكاة الأموال وجبت بعد ذلك. وقيل: صدقة التطوع. وقيل : كل أفعال الخير. وقال ابن عباس: طاعة الله والإخلاص له. الثانية عشرة- قوله تعالى : " أقرضوا الله قرضا حسنا" القرض الحسن ما قصد به وجه الله تعالى خالصاً من المال الطيب. وقد مضى في سورة (( الحديد)) بيانه. وقال زيد بن أسلم: القرض الحسن النفقة على الأهل. وقال عمر بن الخطاب: هو النفقة في سبيل الله. الثالثة عشرة_ قوله تعالى : " وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله" وروي عن عمر بن الخطاب انه اتخذ حيساً- يعني تمراً بلبن- فجاءه مسكين فأخذه ودفعه اليه. فقال بعضهم: ما يدري هذا المسكين ما هذا؟ فقال عمر : لكن رب المسكين يدري ما هو. وكأنه تأول" وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا" أي مما تركتم وخلفتم، ومن الشح والتقصير. " وأعظم أجرا " قال ابو هريرة : الجنة ، ويحتمل ان يكون اعظم اجراً، لإعطائه بالحسنة عشراً. ونصب(( خيرا وأعظم)) على المفعول الثاني لـ (( تجدوه)) و ((هو)): فصل عند البصريين، وعماد في قول الكوفيين، لا محل له من الإعراب. و((أجرا)) تمييز. " واستغفروا الله " أي سلوه المغفرة لذنوبكم " إن الله غفور " لما كان قبل التوبة " رحيم" لكم بعدها، قاله سعيد بن جبير . ختمت السورة[ والحمد لله].

تفسير الجلالين


20 - (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى) أقل (من ثلثي الليل ونصفه وثلثه) بالجر عطف على ثلثي وبالنصب عطف على أدنى وقيامه كذلك نحو ما أمر به أول السورة (وطائفة من الذين معك) عطف على ضمير تقوم وجاز من غير تأكيد للفصل وقيام طائفة من أصحابه كذلك للتأسي به ومنهم من كان لا يدري كم صلى من الليل وكم بقي منه فكان يقوم الليل كله احتياطا فقاموا حتى انتفخت أقدامهم سنة أو أكثر فخفف عنهم قال تعالى (والله يقدر) يحصي (الليل والنهار علم أن) مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي انه (لن تحصوه) أي الليل لتقوموا فيما يجب القيام فيه إلا بقيام جميعه وذلك يشق عليكم (فتاب عليكم) رجع بكم إلى التخفيف (فاقرؤوا ما تيسر من القرآن علم أن) مخففة من الثقيلة أي أنه (سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض) يسافرون (يبتغون من فضل الله) يطلبون من رزقه بالتجارة وغيرها (وآخرون يقاتلون في سبيل الله) وكل من الفرق الثلاثة يشق عليهم ما ذكر في قيام الليل فخفف عنهم بقيام ما تيسر منه ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس (فاقرؤوا ما تيسر منه) كما تقدم (وأقيموا الصلاة) المفروضة (وآتوا الزكاة وأقرضوا الله) بأن تنفقوا ما سوى المفروض من المال في سبيل الخير (قرضا حسنا) عن طيب قلب (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا) مما خلفتم وهو فضل وما بعده وإن لم يكن معرفة يشبهها لامتناعه من التعريف (وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم) للمؤمنين

أسباب النزول


ك وأخرج الحاكم عن عائشة قالت لما نزلت يا ايها المزمل قم الليل إلا قليلا قاموا سنة حتى ورمت أقدامهم فأنزلت فاقرأوا ما تيسر منه وأخرج ابن جرير مثله عن ابن عباس وغيره

تفسير ابن كثير


ثم قال تعالى "إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك" أي تارة هكذا وتارة هكذا وذلك كله من غير قصد منكم ولكن لا تقدرون على المواظبة على ما أمركم به من قيام الليل لأنه يشق عليكم ولهذا قال "والله يقدر الليل والنهار" أي تارة يعتدلان وتارة يأخذ هذا من هذا وهذا من هذا "علم أن لن تحصوه أي الفرض الذي أوجبه عليكم "فاقرءوا ما تيسر من القرآن" أى من غير تحديد بوقت أي ولكن قوموا من الليل ما تيسر وعبر عن الصلاة بالقراءة كما قال في سورة سبحان "ولا تجهر بصلاتك" أي بقراءتك "ولا تخافت بها" وقد استدل أصحاب الإمام أبي حنيفة رحمه الله بهذه الآية وهي قوله "فاقرءوا ما تيسر من القرآن" على أنه لا يجب تعين قراءة الفاتحة في الصلاة بل لو قرأ بها أو بغيرها من القرآن ولو بآية أجزأه واعتضدوا بحديث المسيء صلاته الذي في الصحيحين "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" وقد أجابهم الجمهور بحديث عبادة بن الصامت وهو فى الصحيحين أيضا ان رسول الله قال "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج فهى خداج فهي خداج غير تمام" وفي صحيح ابن خزيمة عن أبي هريرة مرفوعا "لا تجزئ صلاة من لما يقرأ بأم القرآن".وقوله تعالى "علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله" أي علم أن سيكون من هذه الأمة ذوو أعذار في ترك قيام الليل من مرضى لا يستطيعون ذلك ومسافرين في الأرض يبتغون من فضل الله في المكاسب والمتاجر وآخرين مشغولين بما هو الأهم في حقهم من الغزو فى سبيل الله وهذه الآية بل السورة كلها مكية ولم يكن القتال شرع بعد فهي من أكبر دلائل النبوة لأنه من باب الإخبار بالمغيبات المستقبلة ولهذا قال تعالى "فاقرءوا ما تيسر منه" أي قوموا بما تيسر عليكم منه قال ابن جرير حدثنا يعقوب حدثنا ابن علية عن أبي رجاء محمد قال: قلت للحسن يا أبا سعيد ما تقول فى رجل قد استظهر القرآن كله عن ظهر قلبه ولا يقوم به إنما يصلي المكتوبة؟ قال يتوسد القرآن لعن الله ذاك قال الله تعالى للعبد الصالح "وإنه لذو علم لما علمناه" "وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم" قلت يا أبا سعيد قال الله تعالى "فاقرءوا ما تيسر من القرآن" قال نعم ولو خمس آيات وهذا ظاهر من مذهب الحسن البصري أنه كان يرى حقا واجبا على حملة القرآن أن يقوموا ولو بشيء منه في الليل ولهذا جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل نام حتى أصبح فقال "ذاك رجل بال الشيطان في أذنه" فقيل معناه نام عن المكتوبة وقيل عن قيام الليل. وفي السنن "أوتروا يا أهل القرآن" وفي الحديث الآخر "من لم يوتر فليس منا" وأغرب من هذا ما حكي عن أبي بكر بن عبدالعزيز من الحنابلة من إيجابه قيام شهر رمضان فالله أعلم. وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن سعيد فرقد الحدرد حدثنا أبو أحمد محمد بن يوسف الزبيدى حدثنا عبدالرحمن عن محمد بن عبدالله بن طاوس من ولد طاوس عن أبيه عن طاوس عن ابن عباس عن صلى الله عليه وسلم "فاقرءوا ما تيسر منه" قال "مائه آية" وهذا حديث غريب جدا لم أره إلا في معجم الطبراني رحمه الله تعالى. وقوله تعالى "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة" أي أقيموا صلاتكم الواجبة عليكم وآتوا الزكاة المفروضة وهذا يدل لمن قال إن فرض الزكاة نزل بمكة لكن مقادير النصب والمخرج لم تبين إلا بالمدينة والله أعلم وقد قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد من السلف إن هذه الآية نسخت الذي كان الله قد أوجبه على المسلمين أولا من قيام الليل واختلفوا في المدة التي بينهما على أقوال كما تقدم وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لذلك الرجل "خمس صلوات في اليوم والليلة" قال هل علي غيرها؟ قال "لا إلا أن تطوع" وقوله تعالى "وأقرضوا الله قرضا حسنا" يعني من الصدقات فإن الله يجازي على ذلك أحسن الجزاء وأوفره كما قال تعالى "من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة" وقوله تعالى "وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا" أى جميع ما تقدموه بين أيديكم فهو لكم حاصل وهو خير مما أبقيتموه لأنفسكم في الدنيا قال الحافظ أبو يعلي الموصلي حدثنا أبو خيثمة حدثنا جرير عن الأعمش عن إبراهيم عن الحارث بن سويد قال: قال عبدالله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه؟" قالوا يا رسول الله ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه قال "اعلموا ما تقولون" قالوا ما نعلم إلا ذلك يا رسول الله قال "إنما مال أحدكم ما قدم ومال وارثه ما أخر" ورواه البخاري من حديث حفص بن غياث والنسائي من طريق أبي معاوية كلاهما عن الأعمش به. ثم قال تعالى "واستغفروا الله إن الله غفور رحيم" أى أكثروا من ذكره واستغفاره في أموركم كلها فإنه غفور رحيم لمن استغفره. آخر تفسير سورة المزمل ولله الحمد والمنة.