آيات القرآن الكريم - إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون

لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ

البقرة: 286

بداية السورة   «  »  آخر السورة  آية عشوائية  Bookmark

اسم السورة: 2 البقرة
رقم الآية.: 286
معلوماتعدد الآيات: 286 ترتيب المصحف: 2 ترتيب النزول: 87 نزلت بعد سورة: المطففين مكية أم مدنية: مدنية ( أول سورة نزلت بالمدينة - الآية 218 نزلت بمنى )
رقم الصفحة.49
عدد الآيات في السورة:286

تفسير القرطبي


قوله تعالى : "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين" . فيه إحدى عشرة مسألة : الأولى : قوله تعالى : "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه" . روي عن الحسن و مجاهد والضحاك : أن هذه الآية كانت في قصة المعراج ، وهكذا روي في بعض الروايات عن ابن عباس ، وقال بعضهم : جميع القرآن نزل به جبريل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم إلا هذه فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي سمع ليلة المعراج ، وقال بعضهم : لم يكن ذلك في قصة المعراج ، لأن ليلة المعراج كانت بمكة وهذه السورة كلها مدنية ، فأما من قال : إنها كانت ليلة المعراج قال : "لما صعد النبي صلى الله عليه وسلم وبلغ في السموات في مكان مرتفع ومعه جبريل حتى جاوز سدرة المنتهى فقال له جبريل : إني لم أجاوز هذا الموضع ولم يؤمر بالمجاوزة أحد هذا الموضع غيرك فجاوز النبي صلى الله عليه وسلم حتى بلغ الموضع الذي شاء الله ، فاشار إليه جبريل بأن سلم على ربك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : التحيات لله والصلوات والطيبات . قال الله تعالى : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون لأمته حظ في السلام فقال : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، فقال جبريل وأهل السموات كلهم : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . قال الله تعالى : "آمن الرسول" على معنى الشكر أي صدق الرسول "بما أنزل إليه من ربه" فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يشارك أمته في الكرامة والفضيلة فقال : "والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله" يعني يقولون آمنا بجميع الرسل ولا نكفر بأحد منهم ولا نفرق بينهم كما فرقت اليهود والنصارى ، فقال له ربه : كيف قبولهم بآي الذي أنزلتها ؟ وهو قوله :"وإن تبدوا ما في أنفسكم" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "قالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير" يعني المرجع . فقال الله تعالى عند ذلك "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" يعني طاقتها ويقال : إلا دون طاقتها . "لها ما كسبت" من الخير "وعليها ما اكتسبت" من الشر ، فقال جبريل عند ذلك : سل تعطه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا" يعني إن جهلنا "أو أخطأنا" يعني إن تعمدنا ، ويقال : إن علمنا بالنسيان والخطأ . فقال له جبريل : قد أعطيت ذلك قد رفع عن أمتك الخطأ والنسيان . فسل شيئاً آخر فقال : "ربنا ولا تحمل علينا إصرا" يعني ثقلاً "كما حملته على الذين من قبلنا" وهو أنه حرم عليهم الطيبات بظلمهم ، وكانوا إذا أذنبوا بالليل وجدوا ذلك مكتوباً على بابهم ، وكانت الصلوات عليهم خمسين ، فخفف الله عن هذه الأمة وحط عنهم بعد ما فرض خمسين صلاة . ثم قال : "ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به" يقول : لا تثقلنا من العمل ما لا نطيق فتعذبنا ، ويقال : ما تشق علينا ، لأنهم لو أمروا بخمسين صلاة لكانوا يطيقون ذلك ولكنه يشق عليهم ولا يطيقون الإدامة عليه "واعف عنا" من ذلك كله "واغفر لنا" وتجاوز عنا ، ويقال : "واعف عنا" من المسخ "واغفر لنا" من الخسف "وارحمنا" من القذف ، لأن الأمم الماضية بعضهم أصابهم المسخ وبعضهم أصابهم الخسف وبعضهم القذف ثم قال : "أنت مولانا" يعني ولينا وحافظنا "فانصرنا على القوم الكافرين" فاستجيبت دعوته" . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "نصرت بالرعب مسيرة شهر" ويقال : إن الغزاة إذا خرجوا من ديارهم بالنية الخالصة وضربوا بالطبل وقع الرعب والهيبة في قلوب الكفار مسيرة شهر في ، علموا بخروجهم أو لم يعلموا ، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع أوحى الله هذه الآيات ، وليعلم أمته بذلك . ولهذه الآية تفسير آخر ، قال الزجاج : لما ذكر الله تعالى في هذه السورة فرض الصلاة والزكاة وبين أحكام الحج وحكم الحيض والطلاق والإيلاء وأقاصيص الأنبياء وبين حكم الربا ، ذكر تعظيمه سبحانه بقوله سبحانه وتعالى : "لله ما في السماوات وما في الأرض" ثم ذكر تصديق نبيه صلى الله عليه وسلم ثم ذكر تصديق المؤمنين بجميع ذلك فقال : "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه" أي صدق الرسول بجميع هذه الأشياء التي جرى ذكرها وكذلك المؤمنون كلهم صدقوا بالله وملائكته وكتبه ورسله . وقيل سبب نزولها الآية التي قبلها وهي "لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير" . فإنه : "لما أنزل هذا على النبي صلى الله عليه وسلم اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب فقالوا : أي رسول الله ، كلفنا من الأعمال ما نطيق : الصلاة والصيام والجهاد والصدقة ، وقد أنزل الله عليك هذه الآية ولا نطيقها . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ، فقالوا : سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ". فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم فأنزل الله في إثرها : "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير" . فلما فعلوا ذلك نسخها الله ، فأنزل الله عز وجل : "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت" . "ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا" قال : نعم "ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا" قال : نعم "ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به" قال : نعم "واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين" قال : نعم . أخرجه مسلم عن ابي هريرة . قال علماؤنا : قوله في الرواية الأولى قد فعلت وهنا قال : نعم دليل على نقل الحديث بالمعنى ، وقد تقدم . ولما تقرر الأمر على أن قالوا : سمعنا وأطعنا ، مدحهم الله وأثنى عليهم في هذه الآية ، ورفع المشقة في أمر الخواطر عنهم ، وهذه ثمرة الطاعة والانقطاع إلى الله تعالى ، كما جرى لبني إسرائيل ضد ذلك من ذمهم وتحميلهم المشقات من الذلة والمسكنة والانجلاء إذ قالوا : سمعنا وعصينا ، وهذه ثمرة العصيان والتمرد على الله تعالى ، أعاذنا الله من نقمه بمنه وكرمه . وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له : "إن بيت ثابت بن قيس بن شماس يزهر كل ليلة بمصابيح . قال : فلعله يقرأ سورة البقرة ، فسئل ثابت قال : قرأت من سورة البقرة "آمن الرسول" نزلت حين شق على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما توعدهم الله تعالى به من محاسبتهم على ما أخفته نفوسهم ، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : فلعلكم تقولون سمعنا وعصينا كما قالت بنو إسرائيل قالو : بل سمعنا وأطعنا ، فأنزل الله تعالى ثناء عليهم "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه" فقال صلى الله عليه وسلم : وحق لهم أن يؤمنوا" . الثانية : قوله تعالى : "آمن" أي صدق وقد تقدم . والذي أنزل هو القرآن . وقرأ ابن مسعود وآمن المؤمنون كل آمن بالله على اللفظ ، ويجوز في غير القرآن آمنوا على المعنى . وقرأ نافع و ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر "وكتبه" على الجمع . وقرؤوا في التحريم كتابه ، على التوحيد . وقرأ أبو عمرو هنا وفي التحريم وكتبه على الجمع . وقرأ حمزة و الكسائي وكتابه على التوحيد فيهما . فمن جمع أراد جمع كتاب ، ومن أفرد أراد المصدر الذي يجمع كل مكتوب كان نزوله من عند الله ، ويجوز في قراءة من وحد أن يراد به الجمع ، يكون الكتاب اسماً للجنس فتستوي القراءتان ، قال الله تعالى : "فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب" . قرأت الجماعة ورسله بضم السين ، وكذلك رسلنا ورسلكم ورسلك ، إلا أبا عمرو فروي عنه تخفيف رسلنا ورسلكم ، وروي عنه في رسلك التثقيل والتخفيف . قال أبو علي : من قرأ رسلك بالتثقيل فذلك أصل الكلمة ، ومن خفف فكما يخفف في الآحاد ، مثل عنق وطنب . وإذا خفف في الآحاد فذلك أحرى في الجمع الذي هو أثقل ، وقال معناه مكي . وقرأ جمهور الناس لا نفرق بالنون ، والمعنى يقولون لا نفرق ، فحذف القول كثير ، قال الله تعالى : ‌"والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم" : أي يقولون سلام عليكم . وقال : "ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا" أي يقولون ربنا ،وما كان مثله . وقرأ سعيد بن جبير ويحيى بن يعمر وأبو زرعة بن عمرو ابن جرير ويعقوب لا يفرق بالياء ، وهذا على لفظ كل . قال هارون : وهي في حرف ابن مسعود لا يفرقون . وقال بين أحد على الإفراد ولم يقل آحاد ، لأن الأحد يتناول الواحد والجميع ، كما قال تعالى : "فما منكم من أحد عنه حاجزين" فـ حاجزين صفة لأحد ، لأن معناه الجمع . وقال صلى الله عليه وسلم : ‌"ما أحلت الغنائم لأحد سود الرؤوس غيركم" وقال رؤبة : إذا أمور الناس دينت دينكا لا يرهبون أحدا من دونكا ومعنى هذه الآية أن المؤمنين ليسوا كاليهود والنصارى في أنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض . الثالثة : قوله تعالى : "وقالوا سمعنا وأطعنا" فيه حذف ، أي سمعنا سماع قابلين . وقيل : سمع بمعنى قبل ، كما يقال : سمع الله لمن حمده ، فلا يكون فيه حذف . وعلى الجملة فهذا القول يقتضي المدح لقائله . والطاعة قبول الأمر . وقوله "غفرانك" مصدر كالكفران والخسران ، والعامل فيه فعل مقدر ، تقديره : اغفر غفرانك ، قاله الزجاج . وغيره : نطلب أو أسأل غفرانك . "وإليك المصير" إقرار بالبعث والوقوف بين يدي الله تعالى . وروي : "أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه هذه الآية قال له جبريل : إن الله قد أحل الثناء عليك وعلى أمتك فسل تعطه فسأل إلى آخر السورة" . الرابعة : قوله تعالى : "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" التكليف هو الأمر بما يشق عليه . وتكلفت الأمر تجشمته ، حكاه الجوهري . والوسع : الطاقة والجدة . وهذا خبر جزم . نص الله تعالى على أنه لا يكلف العباد من وقت نزول الآية عبادة من أعمال القلب أو الجوارح إلاوهي في وسع المكلف وفي مقتضى إدراكه وبنيته ، وبهذا انكشفت الكربة عن المسلمين في تأولهم أمر الخواطر . وفي معنى هذه الآية ما حكاه أبو هريرة رضي الله عنه قال : ما وددت أن أحداً ولدتني أمه إلا جعفر بن ابي طالب ، فإني تبعته يوماً وأنا جائع فلما بلغ منزله لم يجد فيه سوى نحي سمن قد بقي فيه أثاره فشقه بين ايدينا ، فجعلنا نلعق ما فيه من السمن والرب وهو يقول : ما كلف الله نفسا فوق طاقتها ولا تجود يد إلا بما تجد الخامسة : اختلف الناس في جواز تكليف ما لا يطاق في الأحكام التي هي في الدنيا ، بعد اتفاقهم على أنه ليس واقعاً في الشرع ، وأن هذه الآية آذنت بعدمه ، قال أبو الحسن الأشعري وجماعة من المتكلمين : تكليف ما لا يطاق جائز عقلاً ، ولا يخرم ذلك شيئاً من عقائد الشرع ، ويكون ذلك أمارة على تعذيب المكلف وقطعاً به ، وينظر إلى هذا تكليف المصور أن يعقد شعيرة . واختلف القائلون بجوازه هل وقع في رساله محمد صلى الله عليه وسلم أو لا ؟ فقالت فرقة : وقع في نازلة أبي لهب ، لأنه كلفه بالإيمان بجملة الشريعة ، ومن جملتها أنه لايؤمن ، لأنه حكم عليه بتب اليدين وصلي النار ، وذلك مؤذن بأنه لا يؤمن ، فقد كلفه بأن يؤمن بأنه لا يؤمن . وقالت فرقة : لم يقع قط . وقد حكي الإجماع على ذلك . وقوله تعالى : " سيصلى نارا" معناه إن وافى ، حكاه ابن عطية . ويكلف يتعدى إلى مفعولين أحدهما محذوف ، تقديره عبادة أو شيئاً . فالله سبحانه بلطفه وإنعامه علينا وإن كان قد كلفنا بما يشق ويثقل كثبوت الواحد للعشرة ، وهجرة الإنسان وخروجه من وطنه ومفارقة أهله ووطنه وعادته ، لكنه لم يكلفنا بالمشقات المثقلة ولا بالأمور المؤلمة ، كما كلف من قبلنا بقتل أنفسهم وقرض موضع البول من ثيابهم وجلودهم ، بل سهل ورفق ووضع عنا الإصر والأغلال التي وضعها على من كان قبلنا . فلله الحمد والمنة ، والفضل والنعمة . السادسة : قوله تعالى : "لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت" يريد من الحسنات والسيئات . قاله السدي . وجماعة المفسرين لا خلاف بينهم في ذلك ، قاله ابن عطية . وهو مثل قوله : "ولا تزر وازرة وزر أخرى" . "ولا تكسب كل نفس إلا عليها" . والخواطر ونحوها ليست من كسب الإنسان . وجاءت العبارة في الحسنات بـ لها من حيث هي مما يفرح المرء بكسبه ويسر بها ، فتضاف إلى ملكه . وجاءت في السيئات بـ عليها من حيث هي أثقال وأوزار ومتحملات صعبة ، وهذا كما تقول :لي مال وعلي دين . وكرر فعل الكسب فخالف بين التصريف حسناً لنمط الكلام ، كما قال : "فمهل الكافرين أمهلهم رويدا" . قال ابن عطية : ويظهر لي في هذا أن الحسنات هي مما تكتسب دون تكلف ، إذ كاسبها على جادة أمر الله تعالى ورسم شرعه ، والسيئات تكستب ببناء المبالغة ، إذ كاسبها يتكلف في أمرها خرق حجاب نهي الله تعالى ويتخطاه إليها ، فيحسن في الآية مجيء التصريفين إحرازاً ، لهذا المعنى . السابعة : في هذه الآية دليل على صحة إطلاق أئتمتنا على أفعال العباد كسباً واكتساباً ، ولذلك لم يطلقوا على ذلك لا خلق ولا خالق ، خلافاً لمن أطلق ذلك من مجترئة المبتدعة . ومن أطلق من أئتمتنا ذلك على العبد ، وأنه فاعل فبالمجاز المحض . وقال المهدوي وغيره : وقيل معنى الآية : لا يؤاخذ أحد بذنب أحد . قال ابن عطية : وهذا صحيح في نفسه ولكن من غير هذه الآية . الثامنة : قال الكيا الطبري : قوله تعالى : "لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت" يستدل به على أن من قتل غيره بمثقل أو بخنق أو تغريق فعليه ضمانه قصاصاً أو يدة ، خلافاً لمن جعل ديته على العاقلة ، وذلك يخالف الظاهر ، ويدل على أن سقوط القصاص عن الأب لا يقتضي سقوطه عن شريكه . ويدل على وجوب الحد على العاقلة إذا مكنت مجنوناً من نفسها . وقال القاضي أبو بكر بن العربي : ذكر علماؤنا هذه الاية في أن القود واجب على شريك الأب خلافاً لـ أبي حنيفة ، وعلى شريك الخاطىء خلافاً لـ لشافعي وأبي حنيفة ، لأن كل واحد منهما قد اكتسب القتل . وقالوا : إن اشتراك من لا يجب عليه القصاص مع من يجب عليه القصاص لا يكون شبهة في درء يدرأ بالشبهة . التاسعة : قوله تعالى : "ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا" المعنى :اعف عن إثم ما يقع منا على هذين الوجهين أو أحدهما ، كقوله عليه السلام : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" أي إثم ذلك . وهذا لم يختلف فيه أن الإثم مرفوع ، وإنما اختلف فيما يتعلق على ذلك من الأحكام ، هل ذلك مرفوع لا يلزم منه شيء أو يلزم أحكام ذلك كله ؟ اختلف فيه . والصحيح أن ذلك يختلف بحسب الوقائع ، فقسم لا يسقط باتفاق كالغرامات والديات والصلوات المفروضات . وقسم يسقط باتفاق كالقصاص والنطق بكلمة الكفر وقسم ثالث يختلف فيه كمن أكل ناسياً في رمضان أو حنث ساهياً ، وما كان مثله مما يقع خطأ ونسياناً ، ويعرف ذلك في الفروع . العاشرة : قوله تعال : "ربنا ولا تحمل علينا إصرا" أي ثقلاً . قال مالك و الربيع : الإصر الأمر الغليظ الصعب . وقال سعيد بن جبير : الإصر شدة العمل ،وما غلظ على بني إسرائيل من البول ونحوه . قال الضحاك : كانوا يحملون أموراً شداداً ، وهذا نحو قول مالك و الربيع ، ومنه قول النابغة : ‌يا مانع الضيم أن يغشى سراتهم والحامل الإصر عنهم بعدما عرفوا عطاء : الإصر المسخ قردة وخنازير ، وقاله ابن زيد أيضاً . وعنه أيضاً أنه الذنب الذي ليس فيه توبة ولا كفارة . والإصر في اللغة العهد ، ومنه قوله تعالى : "وأخذتم على ذلكم إصري" . والإصر : الضيق والذنب والثقل . والإصار : الحبل الذي تربط به الأحمال ونحوها ، يقال : أصر يأصر أصراً حبسه . والإصر ( بكسر الهمزة ) من ذلك قال الجوهري : والموضع مأصر ومأصر والجمع مآصر ، والعامة تقول معاصر . قال ابن خويز منداد : وتمكن أن يستدل بهذا الظاهر في كل عبادة ادعى الخصم تثقيلها ، فهو نحو قوله تعالى : "وما جعل عليكم في الدين من حرج" ، وكقول النبي صلى الله عليه وسلم : "الدين يسر فيسروا ولا تعسروا" . اللهم شق على من شق على أمة محمد صلى الله عليه وسلم . قلت : ونحوه الكيا الطبري قال : يحتج به في نفي الحرج والضيق المنافي ظاهره للحنفية السمحة ، وهذا بين . الحادية عشرة : قوله تعالى : "ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به" قال قتادة : معناه لا تشدد علينا كما شددت على من كان قبلنا . والضحاك : لا تحملنا من الأعمال ما لا نطيق ، وقال نحوه ابن زيد . ابن جريج : لا تمسخنا قردة ولا خنازير . وقال سلام بن سابور : الذي لا طاقة لنا به : الغلمة ، وحكاه النقاش عن مجاهد و عطاء . وروي أن أبا الدرداء كان يقول في دعائه : وأعوذ بك من غلمة ليس لها عدة .وقال السدي : هو التغليظ والأغلال التي كانت على بني إسرائيل . قوله تعالى : "واعف عنا" أي عن ذنوبنا . عفوت عن ذنبه إذا تركته ولم تعاقبه . "واغفر لنا" أي استر على ذنوبنا . والغفر : الستر . "وارحمنا" أي تفضل برحمة مبتدئاً منك علينا . "أنت مولانا" أي ولينا وناصرنا . وخرج هذا مخرج التعليم للخلق كيف يدعون . روي عن معاذ بن جبل أنه كان إذا فرغ من قراءة هذه السورة قال آمين . قال ابن عطية : هذا يظن به أنه رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن كان ذلك فكمال ، وإن كان بقياس على سورة الحمد من حيث هنالك دعاء وهنا دعاء فحسن . وقال علي بن ابي طالب : ما أظن أن أحداً عقل وأدرك الإسلام ينام حتى يقرأهما . قلت : قد روى مسلم في هذا المعنى عن ابي مسعود الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من قرأ هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه" . قيل : من قيام الليل ، كما روي عن ابن عمر قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : أنزل الله علي آيتين من كنوز الجنة ختم بهما سورة البقرة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألف عام من قرأهما بعد العشاء مرتين أجزأتاه من قيام الليل "آمن الرسول" إلى آخر البقرة . وقيل :كفتاه من شر الشيطان فلا يكون له عليه سلطان . واسند أبو عمرو الداني عن حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الله جل وعز كتب كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام فأنزل منه هذه الثلاث آيات التي ختم بهن البقرة من قرأهن في بيته لم يقرب الشيطان بيته ثلاث ليال" . وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "أوتيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يؤتهن نبي قبلي" . وهذا صحيح . وقد تقدم في الفاتحة نزول الملك بها مع الفاتحة . والحمد لله .

تفسير الجلالين


286 - (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) أي ما تسعه قدرتها (لها ما كسبت) من الخير أي ثوابه (وعليها ما اكتسبت) من الشر أي وزره ولا يؤاخذ أحد بذنب أحد ولا بما لم يكسبه مما وسوست به نفسه ، قولوا (ربنا لا تؤاخذنا) بالعقاب (إن نسينا أو أخطأنا) تركنا الصواب لا عن عمد كما آخذت به من قبلنا وقد رفع الله ذلك عن هذه الأمة كما ورد في الحديث فسؤاله اعتراف بنعمة الله (ربنا ولا تحمل علينا إصرا) أمرا يثقل علينا حمله (كما حملته على الذين من قبلنا) أي بني إسرائيل من قتل النفس في التوبة وإخراج ربع المال في الزكاة وقرض موضع النجاسة (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة) قوة (لنا به) من التكاليف والبلاء (واعف عنا) امح ذنوبنا (واغفر لنا وارحمنا) في الرحمة زيادة على المغفرة (أنت مولانا) سيدنا ومتولي أمورنا (فانصرنا على القوم الكافرين) بإقامة الحجة والغلبة في قتالهم فإن من شأن المولى أن ينصر مواليه على الأعداء ، وفي الحديث "لما نزلت هذا الآية فقرأها صلى الله عليه وسلم قيل له عقب كل كلمة قد فعلت".

أسباب النزول


لا يوجد أسباب النزول

تفسير ابن كثير


قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد حدثنا جرير عن سنان عن حكيم عن جابر قال: لما نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير" قال جبريل إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك فسل تعطه فسأل "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" إلى آخر الآية. وقوله "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" أي لا يكلَّف أحد فوق طاقته وهذا من لطفه تعالى بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم وهذه هي الناسخة الرافعة لما كان أشفق منه الصحابة في قوله "وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله" أي هو وإن حاسب وسأل لكن لا يعذب إلا بما يملك الشخص دفعه فأما ما لا يملك دفعه من وسوسة النفس وحديثها فهذا لا يكلف به الإنسان وكراهية الوسوسة السيئة من الإيمان وقوله "لها ما كسبت" أي من خير "وعليهـا ما اكتسبت" أي من شر وذلك في الأعمال التي تدخل تحت التكليف. ثم قال تعالى مرشدا عباده إلى سؤاله وقد تكفل لهم بالإجابة كما أرشدهم وعلمهم أن يقولوا "ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا" أي إن تركنا فرضا على جهة النسيان أو فعلنا حراما كذلك أو أخطأنا أي الصواب في العمل جهلا منا بوجهه الشرعي وقد تقدم في صحيح مسلم من حديث أبي هريره قال: "قال الله نعم" ولحديث ابن عباس قال الله "قد فعلت" وروى ابن ماجه في سننه وابن حبان في صحيحه من حديث أبي عمرو الأوزاعي عن عطاء قال ابن ماجه في روايته عن ابن عباس وقال الطبراني وابن حبان عن عطاء عن عبيد بن عمير عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وقد روي من طريق آخر وأعله أحمد وأبو حاتم والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا أبو بكر الهذلي عن شهر عن أم الدرداء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال "إن الله تجاوز لأمتي عن ثلات عن الخطإ والنسيان والاستكراه" قال أبو بكر فذكرت ذلك للحسن فقال: أجل أما تقرأ بذلك قرآنا "ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا". وقوله "ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا" أي لا تكلفنا من الأعمال الشاقة وإن أطقناها كما شرعته للأمم الماضية قبلنا من الأغلال والآصار التي كانت عليهم التي بعثت نبيك محمدا - صلى الله عليه وسلم - نبي الرحمة بوضعه في شرعه الذي أرسلته به من الدين الحنيفي السهـل السمح وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال "قال الله نعم" وعن ابن عباس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "قال الله قد فعلت" وجاء في الحديث من طرق عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال "بعثت بالحنيفية السمحة". وقوله "ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به" أي من التكليف والمصائب والبلاء لا تبتلنا بما لا قبل لنا به وقد قال مكحول في قوله "ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به" قال العزبة والغلمة رواه ابن أبي حاتم قال الله نعم وفي الحديث الآخر قال الله قد فعلت. وقوله "واعف عنا" أي فيما بيننا وبينك مما تعلمه من تقصيرنا وزللنا "واغفر لنا" أي فيما بيننا وبين عبادك فلا تظهرهم على مساوينا وأعمالنا القبيحة "وارحمنا" أي فيما يستقبل فلا توقعنا بتوفيقك في ذنب آخر ولهذا قالوا إن المذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء أن يعفو الله عنه فيما بينه وبينه وأن يستره عن عباده فلا يفضحه به بينهم وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره. وقد تقدم في الحديث أن الله قال نعم وفي الحديث الآخر قال الله "قد فعلت". وقوله "أنت مولانا" أي أنت ولينا وناصرنا وعليك توكلنا وأنت المستعان وعليك التكلان ولا حول لنا ولا قوة إلا بك "فانصرنا على القوم الكافرين" أي الذين جحدوا دينك وأنكروا وحدانيتك ورسالة نبيك وعبدوا غيرك وأشركوا معك من عبادك فانصرنا عليهم واجعل لنا العاقبة عليهم في الدنيا والآخرة قال الله نعم. وفي الحديث الذي رواه مسلم عن ابن عباس قال الله: "قد فعلت". وقال ابن جرير: حدثني مثنى بن إبراهيم حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن أبي إسحاق أن معاذا - رضي الله عنه - كان إذا فرغ من هذه السورة "انصرنا على القوم الكافرين" قال آمين ورواه وكيع عن سفيان عن أبي إسحاق عن رجل عن معاذ بن جبل أنه كان إذا ختم البقرة قال آمين.