آيات القرآن الكريم - إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون

فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

الأنفال: 17

بداية السورة   «  »  آخر السورة  آية عشوائية  Bookmark

اسم السورة: 8 الأنفال
رقم الآية.: 17
معلوماتعدد الآيات: 75 ترتيب المصحف: 8 ترتيب النزول: 88 نزلت بعد سورة: البقرة مكية أم مدنية: مدنية ماعدا 30 : 36 فهي مكية .
رقم الصفحة.179
عدد الآيات في السورة:75

تفسير القرطبي


قوله تعالى: "فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم" أي يوم بدر. روي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صدروا عن بدر ذكر كل واحد منهم ما فعل: قتلت كذا، فعلت كذا، فجاء من ذلك تفاخر ونحو ذلك. فنزلت الآية إعلاماً بأن الله تعالى هو المميت والمقدر لجميع الأشياء، وأن العبد إنما يشارك بتكسبه وقصده. وهذه الآية ترد على من يقول بأن أفعال العباد خلق لهم. فقيل: المعنى فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم بسوقهم إليكم حتى أمكنكم منهم. وقيل: ولكن الله قتلهم بالملائكة الذين أمدكم بهم. "وما رميت إذ رميت" مثله، "ولكن الله رمى". واختلف العلماء في هذا الرمي على أربعة أقوال: الأول: أن هذا الرمي إنما كان في حصب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، رواه ابن وهب عن مالك. قال مالك: ولم يبق في ذلك اليوم أحد إلا وقد أصابه ذلك. وكذلك روى عنه ابن القاسم أيضاً. الثاني: أن هذا كان يوم أحد حين رمى أبي بن خلف بالحربة في عنقه، فكر أبي منهزماً. فقال له المشركون: والله ما بك من بأس. فقال: والله لو بصق علي لقتلني. أليس قد قال: بل أنا أقتله. وكان قد أوعد أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتل بمكة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أنا أقتلك فمات عدو الله من ضربة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرجعه إلى مكة، بموضع يقال له سرف. قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: لما كان يوم أحد أقبل أبي مقنعاً في الحديد على فرسه يقول: لا نجوت إن نجا محمد، فحمل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد قتله. قال موسى بن عقبة قال: سعيد بن المسيب: فاعترض له رجال من المؤمنين، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فخلوا طريقه، فاستقبله مصعب بن عمير يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتل مصعب بن عمير، وأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقوة أبي بن خلف من فرجة بين سابغة البيضة والدرع، فطعنه بحربته فوقع أبي عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم. قال سعيد: فكسر ضلعاً من أضلاعه، فقال: ففي ذلك نزل "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى" وهذا ضعيف، لأن الآية نزلت عقيب بدر. الثالث: أن المراد السهم الذي رمى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حصن خيبر، فسار في الهواء حتى أصاب ابن أبي الحقيق وهو على فراشه. وهذا أيضاً فاسد وخيبر وفتحها أبعد من أحد بكثير. والصحيح في صورة قتل ابن أبي الحقيق غير هذا. الرابع: أنها كانت يوم بدر، قاله ابن إسحاق. وهو أصح، لأن السورة بدرية، وذلك "أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم: خذ قبضة من التراب فأخذ قبضة من التراب فرمى بها وجوههم فما من المشركين من أحد إلا وأصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة"، وقاله ابن عباس، وسيأتي. قال ثعلب: المعنى "وما رميت" الفزع والرعب في قلوبهم "إذ رميت" بالحصباء فانهزموا "ولكن الله رمى" أي أعانك وأظفرك. والعرب تقول: رمى الله لك، أي أعانك وأظفرك وصنع لك. حكى هذا أبو عبيدة في كتاب المجاز. وقال محمد بن يزيد: وما رميت بقوتك إذ رميت، ولكنك بقوة الله رميت. "وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا" البلاء ها هنا النعمة. واللام تتعلق بمحذوف، أي وليبلي المؤمنين فعل ذلك.

تفسير الجلالين


17 - (فلم تقتلوهم) ببدر بقوتكم (ولكن الله قتلهم) بنصره إياكم (وما رميت) يا محمد أعين القوم (إذ رميت) بالحصى لأن كفَّا من الحصى لا يملأ عيون الجيش الكثير برمية بشر (ولكن الله رمى) بإيصال ذلك إليهم فعل ذلك ليقهر الكافرين (وليبلي المؤمنين منه بلاءً) عطاءً (حسناً) هو الغنيمة (إن الله سميع) لأقوالهم (عليم) بأحوالهم

أسباب النزول


قوله تعالى وما رميت وروى الحاكم عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال أقبل أبي بن خلف يوم أحد إلى النبي صلى الله عليه وسلم فخلوا سبيله فاستقبله مصعب بن عمير ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقوه أبي من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة فطعنه بحربته فسقط عن فرسه ولم يخرج من طعنته دم فكسر ضلعا من أضلاعه فأتاه أصحابه وهو يخور خوار الثور فقالوا ما أعجزك انما هو خدش فذكر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أنا أقتل أبيا ثم قال والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون فمات أبي قبل أن يقدم مكة فأنزل الله وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى الآية صحيح الاسناد لكنه غريب وأخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن جبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر دعا بقوس فرمى الحصن فأقبل السهم يهوي حتى قتل ابن أبي الحقيق وهو في فراشه فأنزل الله وما رميت إذ رميت الآية مرسل جيد الإسناد لكنه غريب والمشهور انها نزلت في رمية يوم بدر بالقبضة من الحصباء روى ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن حكيم بن حزام قال لما كان يوم بدر سمعنا صوتا وقع من السماء إلى الأرض كأنه صوت حصاة وقعت في طست ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك الحصباء فانهزمنا فذلك قوله وما رميت اذ رميت الآية وأخرج أبو الشيخ نحوه عن جابر وابن عباس ولابن جرير من وجه آخر مرسلا نحوه

تفسير ابن كثير


يبين تعالى أنه خالق أفعال العباد وأنه المحمود على جميع ما صدر منهم من خير لأنه هو الذي وفقهم لذلك وأعانهم ولهذا قال "فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم" أي ليس بحولكم وقوتكم قتلتم أعداءكم مع كثرة عددهم وقلة عددكم أي بل هو الذي أظفركم عليهم كما قال "ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة" الآية وقال تعالى "لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين" يعلم تبارك وتعالى أن النصر ليس على كثرة العدد ولا بلبس اللأمة والعدد وإنما النصر من عنده تعالى كما قال تعالى "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين" ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أيضا في شأن القبضة من التراب التي حصب بها وجوه الكافرين يوم بدر حين خرج من العريش بعد دعائه وتضرعه واستكانته فرماهم بها وقال "شاهت الوجوه" ثم أمر أصحابه أن يصدقوا الحملة إثرها ففعلوا فأوصل الله تلك الحصباء إلى أعين المشركين فلم يبق أحد منهم إلا ناله منها ما شغله عن حاله ولهذا قال تعالى "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى" أي هو الذي بلغ ذلك إليهم وكبتهم بها لا أنت. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه يعني يوم بدر فقال "يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدأ" فقال له جبريل خذ قبضة من التراب فارم بها في وجوههم فأخذ قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولوا مدبرين وقال السدي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه يوم بدر "أعطني حصبا من الأرض" فناوله حصبا عليه تراب فرمى به في وجوه القوم فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه من ذلك التراب شيء ثم ردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم وأنزل الله "فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى" وقال أبو معشر المدني عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي قالا: لما دنا القوم بعضهم من بعض أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم وقال "شاهت الوجوه" فدخلت في أعينهم كلهم وأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتلونهم ويأسرونهم وكانت هزيمتهم في رمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى" وقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى" قال هذا يوم بدر أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث حصبات فرمى بحصبات ميمنة القوم وحصبات في ميسرة القوم وحصبات بين أظهرهم وقال "شاهت الوجوه" فانهزموا وقد روى في هذه القصة عن عروة عن مجاهد وعكرمة وقتادة وغير واحد من الأئمة أنها نزلت في رمية النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر وإن كان قد فعل ذلك يوم حنين أيضا وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا أحمد بن منصور حدثنا يعقوب بن محمد حدثنا عبدالعزيز بن عمران حدثنا موسى بن يعقوب بن عبدالله بن ربيعة عن يزيد بن عبدالله عن أبي بكر بن سليمان بن أبي خيثمة عن حكيم بن حزام قال: لما كان يوم بدر سمعنا صوتا وقع من السماء كأنه صوت حصاة وقعت في طست ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الرمية فانهزمنا. غريب من هذا الوجه وههنا قولان آخران غريبان جدا. "أحدهما" قال ابن جرير حدثنا محمد بن عوف الطائي حدثنا أبو المغيرة حدثنا صفوان بن عمرو حدثنا عبدالرحمن بن جبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ابن أبي الحقيق بخيبر دعا بقوس فأتي بقوس طويلة وقال "جيئوني بقوس غيرها" فجاءوه بقوس كبداء فرمى النبي صلى الله عليه وسلم الحصن فأقبل السهم يهوي حتى قتل ابن أبي الحقيق وهو في فراشه فأنزل الله عز وجل "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى" وهذا غريب وإسناده جيد إلى عبدالرحمن بن جبير بن نفير ولعله اشتبه عليه أو أنه أراد أن الآية تعم هذا كله وإلا فسياق الآية في سورة الأنفال في قصة بدر لا محالة وهذا مما لا يخفى على أئمة العلم والله أعلم. "والثاني" روى ابن جرير أيضا والحاكم في مستدركه بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب والزهري أنهما قالا: أنزلت في رمية النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد أبي بن خلف بالحربة وهو في لأمته فخدشه في ترقوته فجعل يتدأدأ عن فرسه مرارا حتى كانت وفاته بعد أيام قاسى فيها العذاب الأليم موصولا بعذاب البرزخ المتصل بعذاب الآخرة وهذا القول عن هذين الإمامين غريب أيضا جدا ولعلهما أرادا أن الآية تتناوله بعمومها لا أنها نزلت فيه خاصة كما تقدم والله أعلم. وقال محمد بن إسحق حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير في قوله "وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا" أي ليعرف المؤمنين نعمته عليهم من إظهارهم على عدوهم مع كثرة عدوهم وقلة عددهم ليعرفوا بذلك حقه ويشكروا بذلك نعمته وهكذا فسره ابن جرير أيضا وفي الحديث "وكل بلاء حسن أبلانا" وقوله "إن الله سميع عليم" أي سميع الدعاء عليم بمن يستحق النصر والغلب.