آيات القرآن الكريم - إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون

وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

الأنعام: 152

بداية السورة   «  »  آخر السورة  آية عشوائية  Bookmark

اسم السورة: 6 الأنعام
رقم الآية.: 152
معلوماتعدد الآيات: 165 ترتيب المصحف: 6 ترتيب النزول: 55 نزلت بعد سورة: الحجر مكية أم مدنية: مكية
رقم الصفحة.149
عدد الآيات في السورة:165

تفسير القرطبي


العاشرة- قوله تعالى: "ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن" أي بما فيه صلاحه وتثميره، وذلك بحفظ أصوله وتثمير فروعه. وهذا أحسن الأقوال في هذا، فإنه جامع. قال مجاهد "ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن" بالتجارة فيه، ولا تشتري منه ولا تستقرض. الحادية عشرة- قوله تعالى: "حتى يبلغ أشده" يعني قوته، وقد تكون في البدن وقد تكون في المعرفة بالتجربة، ولا بد من حصول الوجهين، فإن الأشد وقعت هنا مطلقة. وقد جاء بيان حال اليتيم في سورة النساء مقيدة، فقال: "وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا" [النساء: 6] فجمع بين قوة البدن وهو بلوغ النكاح، وبين قوة المعرفة وهو إيناس الرشد، فلو مكن اليتيم من ماله قبل حصول المعرفة وبعد حصول القوة لأذهبه في شهواته وبقي صعلوكاً لا مال له. وخص اليتيم بهذا الشرط لغفلة الناس عنه وافتقاد الآباء لأبنائهم فكان الاهتبال بفقيد الأب أولى. وليس بلوغ الأشد يبيح قرب ماله بغير الأحسن، لأن الحرمة في حق البالغ ثابتة. وخص اليتيم بالذكر لأن خصمه الله. والمعنى: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن على الأبد حتى يبلغ أشده. وفي الكلام حذف، فإذا بلغ أشده وأونس منه الرشد فادفعوا إليه ماله. واختلف العلماء في أشد اليتيم، فقال ابن زيد: بلوغه وقال أهل المدينة. بلوغه وإيناس رشده. وعند أبي حنيفة: خمس وعشرون سنة. قال ابن العربي: وعجباً من أبي حنيفة، فإنه يرى أن المقدرات لا تثبت قياساً ولا نظراً وإنما تثبت نقلاً، وهو يثبتها بالأحاديث الضعيفة، ولكنه سكن دار الضرب فكثر عنده المدلس، ولو سكن المعدن كما قيض الله لمالك لما صدر عنه إلا إبريز الدين. وقد قيل: إن انتهاء الكهولة فيها مجتمع الأشد، كما قال سحيم بن وثيل: أخو خمسين مجتمع أشدي ونجدني مداورة الشؤون يروي نجدني بالدال والذال. والأشد واحد لا جمع له، بمنزلة الآنك وهو الرصاص. وقد قيل: واحده شد، كفلس وأفلس. وأصله من شد النهار أي ارتفع، يقال: أتيته شد النهار ومد النهار. وكان محمد بن محمد الضبي ينشد بيت عنترة: عهدي به شد النهار كأنما خضب اللبان ورأسه بالعظلم وقال آخر: تطيف به شد النهار ظعينة طويلة أنقاء اليدين سحوق وكان سيبويه يقول: واحده شدة. قال الجوهري: وهو حسن في المعنى، لأنه يقال: بلغ الغلام شدته. ولكن لا تجمع فعلة على أفعل، وأما أنعم فإنما هو جمع نعم، من قولهم: يوم بؤس ويوم نعم. وأما قول من قال: واحده شد، مثل كلب وأكلب، وشد مثل ذئب وأذؤب فإنما هو قياس. كما يقولون في واحد الأبابيل: إبول، قياساً على عجول، وليس شيئاً سمع من العرب. قال أبو زيد: أصابتني شدى على فعلى، أي شدة. وأشد الرجل إذا كانت معه دابة شديدة. الثانية عشر- قوله تعالى: "وأوفوا الكيل والميزان بالقسط" أي بالاعتدال في الأخذ والعطاء عند البيع والشراء. والقسط: العدل. "لا نكلف نفسا إلا وسعها" أي طاقتها في إيفاء الكيل والوزن وهذا يقتضي أن هذه الأوامر إنما هي فيما يقع تحت قدرة البشر من التحفظ والتحرر. وما لا يمكن الاحتراز عنه من تفاوت ما بين الكيلين، ولا يدخل تحت قدرة البشر فمعفو عنه. وقيل: الكيل بمعنى المكيال. يقال: هذا كذا وكذا كيلاً، ولهذا عطف عليه بالميزان. وقال بعض العلماء: لما علم الله سبحانه من عباده أن كثيراً منهم تضيق نفسه عن أن تطيب للغير بما لا يجب عليها له أمر المعطى بإيفاء رب الحق حقه الذي هو له، ولم يكلفه الزيادة، لما في الزيادة عليه من ضيق نفسه بها. وأمر صاحب الحق بأخذ حقه ولم يكلفه الرضا بأقل منه، لما في النقصان من ضيق نفسه. وفي موطأ مالك عن يحيى بن سعيد أنه بلغه عن عبد الله بن عباس أنه قال: ما ظهر الغلول في قوم قط إلا ألقى الله في قلوبهم الرعب، ولا فشا الزنى في قوم إلا كثر فيهم الموت، ولا نقص قوم المكيال والميزان إلا قطع عنهم الرزق، ولا حكم قوم بغير الحق إلا فشا فيهم الدم، ولا ختر قوم بالعهد إلا سلط الله عليهم العدو. وقال ابن عباس أيضاً: إنكم معشر الأعاجم قد وليتم أمرين بهما هلك من كان قبلكم الكيل والميزان. الثالثة عشرة- قوله تعالى: "وإذا قلتم فاعدلوا" يتضمن الأحكام والشهادات. "ولو كان ذا قربى" أي ولو كان الحق على مثل قراباتكم، كما تقدم في النساء. "وبعهد الله أوفوا" عام في جميع ما عهده الله إلى عباده. ويحتمل أن يراد به جميع ما انعقد بين إنسانين. وأضيف ذلك العهد إلى الله من حيث أمر بحفظه والوفاء به "لعلكم تذكرون" تتعظون.

تفسير الجلالين


152 - (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي) أي بالخصلة التي (هي أحسن) وهي ما فيه صلاحه (حتى يبلغ أشده) بأن يحتلم (وأوفوا الكيل والميزان بالقسط) بالعدل وترك البخس (لا نكلف نفسا إلا وسعها) طاقتها في ذلك فإن أخطأ في الكيل والوزن والله يعلم صحته نيته فلا مؤاخذة عليه ورد كما في حديث (وإذا قلتم) في حكم أو غيره (فاعدلوا) بالصدق (ولو كان) القول له أو عليه (ذا قربى) قرابة (وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكَّرون) بالتشديد ، تتعظون والسكون

أسباب النزول


لا يوجد أسباب النزول

تفسير ابن كثير


قال عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما أنزل الله "ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن"و "إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما" الآية فانطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه فجعل يفضل الشيء فيحبس له حتى يأكله ويفسد فاشتد ذلك علهم فذكروا ذلك لرسول الله فأنزل الله "ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم" قال: فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم رواه أبو داود وقوله تعالى "حتى يبلغ أشده" قال الشعبي ومالك وغير واحد من السلف يعني حتى يحتلم. وقال السدي: حتى يبلغ ثلاثين سنة وقيل أربعون سنة وقيل ستون سنة قال وهذا كله بعيد ههنا والله أعلم. وقوله تعالى "وأوفوا الكيل والميزان بالقسط" يأمر تعالى بإقامة العدل فى الأخذ والإعطاء كما توعد على تركه في قوله تعالى "ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين" وقد أهلك الله أمة من الأمم كانوا يبخسون المكيال والميزان وفي كتاب الجامع لأبي عيسى الترمذي من حديث الحسين بن قيس أبي علي الرحبي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحاب الكيل والميزان إنكم وليتم أمرا هلكت فيه الأمم السالفة قبلكم ثم قال لا نعرفه مرفوع إلا من حديث الحسين وهو ضعيف في الحديث. وقد روي بإسناد صحيح عن ابن عباس موقوفا قلت وقد رواه ابن مردوية في تفسيره من حديث شريك عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم معشر الموالي قد بشركم الله بخصلتين بها هلكت القرون المتقدمة المكيال والميزان وقوله تبارك وتعالى "لا نكلف نفسا إلا وسعها" أي من اجتهد في أداء الحق وأخذه فإن أخطأ بعد استفراغ وسعه وبذل جهده فلا حرج عليه. وقد روى ابن مردوية من حديث بقية عن ميسرة بن عبيد عن عمرو بن ميمون بن مهران عن أبيه عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآية "وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها" فقال من أوفي على يده في الكيل والميزان والله يعلم صحة نيته بالوفاء فيهما لم يؤاخذ وذلك تأويل وسعها هذا مرسل غريب وقوله "وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى" كقوله "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط" الآية وكذا التي تشبهها في سورة النساء يأمر تعالى بالعدل في الفعال والمقال على القريب والبعيد والله تعالى يأمر بالعدل لكل أحد في كل وقت وفي كل حال وقوله "وبعهد الله أوفوا" قال ابن جرير: يقول وبوصية الله التي أوصاكم بها فأوفوا وإيفاء ذلك أن تطيعوه فيما أمركم ونهاكم وتعملوا بكتابه وسنة رسوله وذلك هو الوفاء بعهد الله "ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون" يقول تعالى: هذا أوصاكم به وأمركم به وأكد عليكم فيه "لعلكم تذكرون" أي تتعظون وتنتهون مما كنتم فيه قبل هذا وقرأ بعضهم بتشديد الذال وآخرون بتخفيفها.